حتى آخر لحظة كان لا يزال لدى حسين يوسف وأهالي العسكريين الشهداء بصيص أمل، حتى ولو كانوا متيقنين من أن أولادهم دخلوا باب الإستشهاد من المكان الأصعب والأشدّ ايلامًا، فكُتبت أسماؤهم في سجل الخالدين بأحرف من ذهب.
هذا الأمل هو الذي أبقى هؤلاء الأهالي الصابرين على وجعهم والعاضّين على جرحهم واقفين على أرجلهم أقوياء.
أما وقد زال الشك باليقين وتأكدوا من خلال نتيجة فحص الحمض النووي بأن أبناءهم قد أصبحوا شهداء كل الوطن فلم يعد للأمل مكان، وحلّ اليأس وفاضت الدموع الحارقة من مآقي طول الإنتظار.
أيًّا تكن أسماء الشهداء الأبطال الذين قضوا في غفلة من الزمان لم تعد سوى ذكرى واستبدلت بكلمة شهيد، ولم يعودوا ينتمون إلى عائلة محدّدة، بل أصبحوا في قلب كل عائلة لبنانية، من اقصى الجنوب إلى أقصى الشمال وعلى امتداد الـ 10452 كليومتر مربعا، لأنهم عندما استشهدوا فدوا كل الوطن وليس عائلاتهم الصغيرة فقط.
على أرواحهم يلبس الوطن ثياب الحداد وتنكّث الأعلام التي حلموا بأن يرفعوها في الإعالي، على كل قمة كانت محتلة، تمامًا كما فعلوا رفاقهم في معركة "فجر الجرود"ز
فلولا إستشهادهم لما تحرّرت الأرض. ولولا هذا الإستشهاد لما بقي لنا أمل بمستقبل نسعى دائمًا إلى أن يكون أفضل من الحاضر ومن الماضي، وإن كان أمل حسين والأهالي الآخرين بلقاء أبنائهم قد تلاشى لحظة تبلغهم نتيجة فحوص الـ DNA.
ما حصل منذ اللحظة الأولى للأسر حتى لحظة تبلغ الأهالي نبأ كان شبه مؤكد بأن الجثث المنقولة من الجرد تعود إلى الشهداء العسكريين، وما تخلل كل هذه الفترة من لبس وغموض ودعوات إلى التحقيق في ما رافقها مما أسماه البعض "تخاذلًا" أو تقصيرًا في مكان، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصرّين أو المتخاذلين، يدعونا إلى التوقف مليًا أمام هول الخبر الذي نزل على الأهالي كالصاعقة، وإلى التوجه إلى شهدائنا بالإعتذار وطلب السماح منهم لأننا لسنا ولم نكن في مستوى تضحياتهم، وبالتالي لا نستحق هذه الشهادة.