تشير المعطيات التي رافقت التطورات الأخيرة التي شهدتها الحدود اللبنانية - السورية لاسيما من ساعة إعلان المواجهة ضد داعش في جرود عرسال ورأس بعلبك وكيفية ادارة معركتها والاطار الذي انتهت به مع اخراج مقاتلي داعش آمنين بمعية النظام السوري و"حزب الله" في موقف لافت للحزب ومتناقض مع مواقفه السابقة تجاه التنظيم الإرهابي وهو الذي حذر سابقا الحكومة العراقية "من المشاركة بمؤامرة أميركية تفتح الطريق أمام مقاتلي داعش للهرب الى سوريا"، معتبراً حينها "الانتصار الحقيقي يعني قصف داعش واعتقال قادته ومقاتليه وزجهم في السجون ليحاكموا محاكمة عادلة"، في حين أخذ تحذيره اليوم وجها آخر لناحية تحميل واشنطن مسؤولية منع قوات التحالف مرور قافلة المقاتلين من الدخول وعرقلة وصولها إلى أراض يسيطر عليها التنظيم شرق سوريا.
أضف الى ذلك ، بروز محاولات تجويف انتصار الجيش اللبناني واقحامه في لعبة شد الحبال الداخلية، عدا عن الاصوات الداعية الى اعادة وصل خطوط الحرارة مع النظام السوري والتمهيد لذلك بزيارات دسمة لوزراء لبنانيين الى سوريا مقابل حضور جليدي لفريق الموالاة (المعارضون السابقون) مزنر بصمت حكومي مبهم . كل هذه المعطيات تشير الى وجود حلقة "ضائعة" في هذا المشهد - قد تكون مقصودة- واراد المستفيدون من مسار الظروف الحالية اخفائها عن دائرة الضوء طالما في الحيرة والشك "السَلم" و"الغنم" وفي الحقيقة "الغرم" و"الاصطفاف" الناسف لخيوط التسوية التي افرجت عن الاستحقاقين الرئاسي والحكومي. ولكن الى أي مدى سيستمر المستفيدون في "الإطباق" على هذه الحلقة وهل من مؤشرات تدل على اقتراب ساعة الحقيقة ؟!
قد يكون من الصعب وفقا للمعطيات الاخيرة بناء قراءة دقيقة عن المسار الذي تتجه نحوه الساحة اللبنانية بالتوازي مع التطورات الحاصلة في الساحة السورية، الا ان هناك مؤشرات جديدة بدأت تتبلور ملامحها مع اعلان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرلله عن لقائه الأسد في دمشق تحت عنوان ترتيب اتفاق لانسحاب تنظيم داعش من لبنان، والذي فتح في شكله وتوقيته ومضمونه علامة استفهام كبيرة حول حقيقة مضمون اللقاء وحقيقة ما خرج به من اتفاق !
لاشك ان قيام السيد نصرالله بزيارة سوريا مخاطرا ومتجاوزا كل الحواحز للقاء الاسد وفي هذه المرحلة بالذات لم يكن بالتأكيد لبحث ترتيب انسحاب التنظيم فقط وانما حمل في مضمونه ما هو أبعد من معضلة داعش الى ما هو مرتبط ربما بعلاقة حزب الله بالنظام السوري، سيما بعد صولات وجولات الفتور التي شابت العلاقة الميدانية بين عناصر حزب الله والنظام السوري بحيث بات الوضع يستلزم نفض غبار المعارك عن هذه العلاقة واعادة تسويتها بأطر جديدة تتجاوز مسألة تأمين معبر آمن لسلاح حزب الله الى الى لبنان، الى ما هو مرتبط بمصير مقاتلي حزب الله في سوريا ودورهم المستقبلي فيها. وفي هذا الاطار نشير الى ما نشر سابقا في الاعوام الماضية عن مشروع تجنيس ما يقارب 40 ألف من التابعية اللبنانية والعراقية خصوصا غالبيتهم من عناصر حزب الله اللبناني والعراقي بهدف تهيئة الارضية الشرعية والقانونية لهؤلاء المقاتلين في سوريا هذا عدا تشجيع ايران المستثمرين على شراء العقارات في سوريا وخصوصاً في مناطق العاصمة دمشق الامر الذي دفع بالمجلس السوري الاسلامي والذي يضم حوالي 40 هيئة ورابطة اسلامية من أهل السنة والجماعة في الداخل والخارج الى اصدار بيان أفتى فيه بـ "حرمة بيع الأراضي والعقارات للشيعة الايرانيين وغيرهم في سوريا".
بالطبع صيغة التوافق التي قام السيد نصرالله بتأهيلها مع الاسد لم تكن بعيدة عن الرعاية الروسية التي تبدو ماضية بقوة في خطواتها متجاوزة شكاوى العدو الاسرائيلي على ايران وحزب الله وعرض عضلاته الاستعراضية على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، حازمة امرها باستخدام حق الفيتو في وجه اي قرار يشير الى حزب الله، وهذا ما حصل في مناقشات مجلس الامن حول نص قرار تجديد تفويض قوات اليونيفيل في لبنان، هذا عدا عن التصريحات الروسية الاخيرة التي اكدت على ضرورة التعامل البناء مع سوريا على حد تعبير السفير الروسي في لبنان "الكسندر زاسبيكين" في تصريح لموقع "لبنان 24" معتبرا ان "الجميع على دراية بان أطرافا غربية عديدة لطالما طالبت باسقاط النظام في سوريا ثم تراجعت اليوم من هنا وجب الانطلاق من الوقائع ليبنى على ما هو مصلحة للبنان"
وربما هذا ما يفسر الاشارات السعودية التي وجهها وزير الدولة لشؤون الخليج ثامر السبهان في تغريدة له نبّه فيها لبنان من تداعيات أعمال حزب الله في الأمة العربية، مخيّراً اللبنانيين بين ان يكونوا معه او ضده، رافعا بذلك بطاقة "صفراء" امام رئيس الحكومة سعد الحريري على اعتاب زيارته موسكو خلال اليومين المقبلين وما قد تحمله هذه الزيارة من توجيهات روسية قد تدفع لبنان للانخراط اكثر في محور ايران وحلفائه وفتح قنوات التواصل المباشر مع النظام السوري. هذا مع الاشارة الى زيارة أخرى مرتقبة للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز الى موسكو في شهر تشرين الاول المقبل، يجري التحضير لها على نار هادئة، والتي لاشك أن الملف السوري سيشكل طبقها الرئيسي في ظل امتلاك السعودية لورقة المعارضة السورية وحاجة موسكو الواضحة لجهود الرياض لانجاح مبادرة الاخيرة الآيلة الى توحيد الهيئة العليا للمفاوضات مع مجموعتي القاهرة وموسكو للمعارضة بما يسمح بتنسيق المواقف لخفض التوتر والهدنة ووقف اطلاق النار بين قوات النظام والمعارضة.
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)