ذكرّتني كثرة التحليلات حول مفاعيل الإتفاق النووي بما جرى مع أحد الشعراء الذي كان يمرّ صدفة من أمام إحدى قاعات مدرسة، فسمع المعلم يحلّل أمام تلاميذه أحد أبيات شعره. ولفته ما ذهب إليه هذا المعلم في ما كان يشرح من معانٍ لهذا البيت الشعري. وقال في نفسه: "والله ما خطر في بالي قط ما يقوله هذا المعلم عندما نظمت هذه القصيدة. وضحك في سرّه".
فلكثرة هذه التحليلات التي ملأت صفحات الصحف والمواقع الالكترونية بات المرء في حيرة من أمره، وكأن ما تمّ التوصل إليه في فيينا بعد مفاوضات عسيرة وشاقة، وما استلزم من ابحاث شاركت فيه ادمغة في علم الفيزياء، لم يخفَ على المنظرين، وإن كان ينقصهم المنجمون ومدّعو قراءة المستقبل.
وعلى رغم أهمية هذا الاتفاق بحدّ ذاته، وهو كما وصفه كثيرون تاريخي، يبقى الهمّ اليومي لأي مواطن، أقله في لبنان، هو الطاغي على ما عداه.
وبما يشبه سؤال الساذج نورد بعضاً مما يخطر ببال هذا المواطن الساعي وراء لقمة عيشه، التي باتت مجبولة ليس بالعرق وحسب، وانما احياناً كثيرة بالدّم، من أسئلة وفق تراتبية عشوائية:
-هل سيحلّ هذا الاتفاق التاريخي مشكلة السير، التي يبدو أنها تحتاج إلى أكثر من اتفاق نووي؟
-هل يساهم في إيصال الكهرباء والماء إلى البيوت 24 ساعة على 24؟
-هل سيفرج عن اسر التنقيب عن النفط والغاز المدفون في المياه اللبنانية؟
-هل سيؤدي إلى تكوين قناعة جماعية بضرورة إقرار سلسلة الرتب والرواتب لمستحقيها؟
-هل سيخفف من وطأة الدين العام؟
-هل ستكون له مفاعيل ملموسة على ملف العسكريين المخطوفين في جرود عرسال؟
-هل سيجد حلاً لأزمة النازحين السوريين؟
-هل ستكون له تأثيرات على منع النفايات من احتلال شوارع بيروت؟
-هل سينتج عنه اتفاق على الحدّ الأدنى من التفاهم على تفعيل عمل الحكومة؟
-هل سيلعب دوراً محفّزاً في تذليل العقبات من أمام عقدة الانتخابات الرئاسية؟
-هل ستكون له مساهمة في فتح الدورة الاستثنائية لمجلس النواب؟
-هل سيقنع من يجب اقناعهم بأن يتراجعوا عن مخططاتهم وطموحاتهم؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير توضع في رسم اتفاق فيينا، وهي أسئلة لم تخطر بالطبع لا على بال كيري ولا على بال ظريف.
وعلى رغم سذاجة هذه الأسئلة، يبقى اتفاق الكبار في غفلة عن ألعاب الصغار.
("لبنان 24")