عندما تصل أزمة الثقة لدى المؤسّسة العسكريّة الروسيّة بطبيعة وأهداف المهمّات التي تقوم بها القوّات الخاصّة الأميركيّة المتواجدة على الساحة السوريّة إلى حدِّ إعلان المتحدِّث باسم وزارة الدفاع في موسكو اللواء إيغور كوناشينكوف بالفم الملآن عن أنّ بلاده طلبت من الولايات المتّحدة توضيحًا لمعرفة "مع من وضدّ من تحارب قوّاتها في سوريا"، فإنّ ذلك يعني أنّ هذه الأزمة خرجت لتوّها من طور الارتياب والشكّ لتقترب أكثر فأكثر من عتبة اليقين، ولا سيّما أنّ صور الأقمار الصناعيّة التي وثَّقت الأسبوع الماضي تحرّكات عرباتِ نقلٍ عسكريّةٍ أميركيّةٍ من نوع "هامر" في المواقع الخاضعة لسيطرة مسلّحي تنظيم "داعش" بالقرب من دير الزور باتت في متناول الجميع، ولم تعُد تحتاج إلى أيّ توضيحٍ أو أيّ تفسير.
وعلى رغم أنّ الدوائر المختصّة في واشنطن سارعت إلى إزالة اللُبْس الذي خلَّفته هذه الصور عن طريق التأكيد على أنّ وجود عربات الـ "هامر" في المواقع المذكورة يندرج في سياق متطلِّبات الحرب التي يخوضها التحالف الدوليّ بقيادة الولايات المتّحدة على الإرهاب، فإنّ صدقيّة هذه الرواية الرسميّة سرعان ما تمّ وضعها لاحقًا على المحكّ، وذلك بعدما لفَت اللواء كوناشينكوف الانتباه إلى مسألةٍ في غاية الأهمّيّة، وتتمثَّل في أنّ تلك الصور التي فُسِّرت على أنّها تبيِّن استيلاء القوّات الخاصّة الأميركيّة على مواقع تنظيم "داعش"، خلَت في الحقيقة من أيّ آثارٍ للاشتباكات، أو من أيّ حُفَرٍ يُفترَض أن تنجم عادةً عن أيّ قصفٍ مدفعيٍّ أو جوّيٍّ أثناء اندلاع المعركة، الأمر الذي دفعه إلى مطالبة الأميركيّين مجدَّدًا بتحديد هويّة الجهة التي يحاربون معها والجهة التي يحاربون ضدّها في سوريا، وهي المطالبة التي لا بدّ من أن تحمل في طيّاتها في الوقت الراهن الكثير من المعاني، وخصوصًا إذا تمّ ربطها بحادثة مقتل كبير المستشارين العسكريّين الروس الفريق فاليري أسابوف مع مترجمه الخاصّ واثنين من مرافقيه الشخصيّين قرب دير الزور نهار الأحد الماضي، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ نتائج التحقيقات حول ملابسات هذه الحادثة ما زالت لغاية الآن ترجِّح كفّة حدوثِ "خيانةٍ ما" عن طريق تزويد الإرهابيّين بإحداثيّات أماكن تواجد المغدورين لحظة استهدافهم بقذائف المورتر من المواقع الداعشيّة.
وإذا كان الفريق الراحل فاليري أسابوف قد شُيِّع نهار أمس الأربعاء إلى مثواه الأخير في إحدى ضواحي العاصمة موسكو في وقتٍ لا تزال علامات الاستفهام بشأن ظروف مقتله مطروحةً بشدّةٍ في مختلف الدوائر المعنيّة بالكشف عن هويّة الجناة، سواءٌ إذا كانوا من الدواعش أنفسهم أم ممّن يقفون وراء الدواعش، فإنّ ما نقلته وكالة "سبوتنيك" الروسيّة نهار أوّل من أمس الثلاثاء عن لسان مصدرٍ أمنيٍّ سوريٍّ بخصوص فرضيّة حدوث "الخيانة" المذكورة لا بدّ من أن يفتح باب الاحتمالات على مصراعيه اعتبارًا من الآن وحتّى إشعارٍ آخَر، وذلك في انتظار جلاء الحقيقة كاملةً لدى انتهاء التحقيقات التي قال المصدر الأمنيّ السوريّ إنّها ما زالت مستمرّة.
ولعلّ اللافت هنا هو أنّ هذا التطوّر الهامّ، وإنْ لم يحمل في سياقه أيّ إشارةٍ مباشِرةٍ إلى احتمال أن تكون الولايات المتّحدة هي الجهة التي سرّبت الإحداثيّات المذكورة للإرهابيّين، ولكنّه لم يتضمّن في المقابل أيّ تلميحٍ من شأنه الإيحاء بأنّ هذه الفرضيّة ليست مدرجةً في حسابات المحقِّقين، الأمر الذي سرعان ما أدّى إلى وضع الإدارة الأميركيّة في موقفٍ لا تُحسَد عليه، وبالتالي إلى تحفيزها للردّ على أيّ محاولةٍ من شأنها التشكيك بـ "نزاهة" ما تقوم به قوّاتها الخاصّة في سوريا.
وعلى هذا الأساس، جاءت التصريحات التي أدلى بها المتحدِّث باسم وزارة الخارجيّة في واشنطن بالتزامُن مع إعلان المصدر الأمنيّ السوريّ عن فرضيّة حدوث "خيانة" تسريب الإحداثيّات لتعبِّر عن مدى الحرج الضمنيّ الذي تشعر به الولايات المتّحدة جرّاء وضعها تحت مجهر الشكّ الروسيّ – السوريّ، وخصوصًا عندما قال في مقابلةٍ حصريّةٍ مع وكالة "سبوتنيك" الروسيّة نفسها إنّ بلاده تعارض ما صدر عن موسكو من تصريحاتٍ تشير إلى ضلوعها بشكلٍ غيرِ مباشِرٍ في دعم التنظيمات الإرهابيّة، مشدِّدًا على عدم وجود أيّ علاقةٍ لها في حادثة مقتل الفريق أسابوف مع مترجمه ومرافقيْه.
وإذا كان المتحدّث الأميركيّ قد رفض أيضًا اعتبار أنّ ازدواجيّة معايير الولايات المتّحدة في الحرب على الإرهاب هي التي تسبّبت في مقتل الفريق أسابوف، واصفًا التعليقات التي جاءت على لسان عددٍ من المسؤولين الروس حول هذا الموضوع بأنّها لا تستند إلى حقائق، ومؤكِّدًا على أنّ واشنطن ما زالت تواصل تنفيذ الآليّة المطلوبة لتجنّب التصادم مع روسيا على الساحة السوريّة، فإنّ مجمَل هذا الكلام لم يُبدِّد في المحصّلة النهائيّة أيًّا من الهواجس الروسيّة الآنفة الذكر، بل على العكس تمامًا، إذ إنّه سرعان ما أدّى إلى ترسيخها.
من هنا، ومع استمرار ظهور المؤشِّر تلو الآخَر على أنّ روسيا عازمةٌ على المضيّ قُدمًا حتّى نهاية الشوط في إقران الحجّة بالدليل حول كافّة الممارسات ذاتِ الصلة بازدواجيّة معايير الولايات المتّحدة في حربها على الإرهاب في كلٍّ من العراق وسوريا، وربّما في أفغانستان أيضًا، يُصبح في الإمكان التكهُّن بأنّ القادم من الأيّام سيحمل معه ما قد لا يخطر على البال من مفاجآتٍ على هذا الصعيد.. وأغلب الظنّ أنّ الموقف الذي عبَّر عنه وزير الخارجيّة السوريّ وليد المعلّم أثناء حديثه يوم أمس الأربعاء لقناة "آر تي" الروسيّة حول الأسلوب الذي ستسخدمه بلاده لحلّ مشكلة الوجود العسكريّ الأميركيّ على أراضيها يُعتبَر المؤشِّر الأوّل على طبيعة تلك المفاجآت، وخصوصًا عندما قال إنّ سوريا ستحاول أوّلًا حلّ المشكلة بشكلٍ ديبلوماسيّ، ولكنّها في الوقت نفسه ستبقى مستعدّةً للنظر في أيّ خياراتٍ أخرى إذا ثبت أنّ الديبلوماسيّة عاجزة.. وهذا كلامٌ إنْ دلّ على شيء، فهو يدلّ على أنّ احتمالات الدخول في مواجهةٍ عسكريّةٍ مباشِرةٍ مع الأميركيّين ستبقى قائمةً حتّى إشعارٍ آخَر.. وما على العالم سوى الترقُّب والحذر والانتظار!