في ظل زحمة التحديات الإقليمية، تبدو الأزمة اللبنانية وتفرعاتها موضوعة جانباً، واهتمامات دول القرار مشدوة صوب "عاصفة الحزم"، ومندرجات الإتفاق النووي الايراني، ولا وقت عند العرب لمعالجة أوضاع الشقيق الاصغر لبنان. بغض النظر عن الشعارات المرفوعة، فإن القوى السياسية تدرك تماماً أن ادوارها هامشية في هذه المرحلة، وليس بمقدورها إلا تقطيع الوقت بما تيسّر من معارك وهموم جانبية.
أوان إنفراج أزمة لبنان لم يحن بعد، لذلك، يشتري نبيه بري الأمل من الوقت الضائع، سعد الحريري يلملم فروع تياره المتزايدة، ميشال عون يخوض معارك تثبيت الصهرين، وليد جنبلاط ملّ الانتظار الطويل على ضفة النهر، وحده "حزب الله" خارج هذه المراوحة القاتلة نتيجة حجمه ووزنه اللذين باتا يتجاوزان مساحة لبنان في لحظة مصيرية على مستوى المنطقة العربية.
قطار الحلول على وقع الإنفراج الاقليمي سينطلق، ولو متأخراً. ولكن من اليمن وليس من بيروت، وهو سيمر بعدة محطات كي يومّن الاستقرار اللبناني الموعود.
يؤكد سياسي عائد من جولة خارجية في عواصم القرار لـ "للبنان24" أن "لبنان مقبل على تسوية هي أكبر من إتفاق الدوحة وأصغر من مؤتمر الطائف، ولكن ينبغي إنضاج الظروف اللازمة عند العواصم المعنية من الرياض الى طهران مروراً بباريس وموسكو وحاضرة الفاتيكان وصولاً الى ما وراء البحار في واشنطن ونيويورك.
ويؤكد هذا السياسي البارز أن "القرار اتخذ دولياً بالقضاء على الدولة المسخ الناشئة حديثاً بين العراق وسوريا، ذلك أن خطر هذا التنظيم على البشرية تجاوز كل الحدود الاخلاقية والدينية، لذلك تشهد الحدود السورية– التركية تشدّداً بالغاً لوقف تدفق المقاتلين من اصقاع الارض، في المقابل يتراجع نفوذ وسيطرة "داعش" في العراق".
في سياق استعراضه، يقول السياسي البارز أنه "ينبغي تعميم خسائر الحروب الدائرة في اليمن والعراق وسوريا وعلى اطراف مصر طالما أن القاعدة في بلادنا تمنع تسجيل انتصارات، ثمة مؤشرات كثيرة في اليمن ابرزها سيطرة القوات الحكومية على عاصمة الجنوب السابقة عدن وإبعاد الحوثيين صوب الجبال، تؤكد وجود صفقة ما، وبشائر حلّ تلوح في الافق لإنهاء الأزمة اليمينية، كذلك في سوريا حيث تدور نقاشات بين موسكو وواشنطن قد تؤدي إلى سلسلة تفاهمات لوقف حمام الدم الدائر منذ 4 سنوات، والنقاش الجاري الآن هو ايجاد مخارج لطبيعة النظام الجديد".
هذه المعطيات ستؤدي حكماً إلى انتاج فرصة سيستفيد منها لبنان لانتخاب رئيس للجمهورية، وفتح باب المعالجات للخروج من المأزق الحالي، طالما ان القرار الاقليمي في ذروة التشنّج بين طهران والرياض قضى بإبعاد الساحة اللبنانية عن النزاعات المباشرة. صحيح أن التجاذبات أدّت الى توترات على الارض، على أن تيار "المستقبل" كما "حزب الله" عمدا إلى فتح حوار لتنظيم هذا الخلاف، وتقطيع المرحلة بأقل خسائر ممكنة.
يجزم السياسي بأن "شعار المرحلة المقبلة سيكون "حفظ ماء الوجه" عند ما يسمى الاقطاب السياسيين. فالتاريخ اللبناني مليء بالابداع في ايجاد المصطلحات الملائمة عند المنعطفات من "لا غالب ولا مغلوب" الى " وقف الحرب الاهلية وعودة السلام" الى "التضحية لاجل الاستقرار الداخلي". فمع كثرة المراهنات على مسار الحرب السورية، والتي فشلت تغليب اوضاع فريق على حساب فريق آخر كما فشل منطق الاستقواء بالداخل، ليس في سبيل الآن أمام هؤلاء جميعاً سوى الجلوس على طاولة واحدة، والشروع مجدداً بمناقشة المأزق اللبناني برعاية اقليمية ومظلة دولية.
("لبنان24")