على رغم كل الإنشغال السعودي بالوضع في اليمن وسوريا، لا تزال هناك مساحة ساعات يخصصها القادة السعوديون للملف اللبناني. ومن هذه الزاوية توقفت المراجع السياسية والديبلوماسية أمام الزيارة التي قام بها رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع الى جدة، وخصصت له ساعات مع العاهل السعودي وكامل طاقمه المعني بالملفات الخارجية والأمنية والديبلوماسية والإستخبارية والإنمائية والمالية من دون أي حرج.
وعلى هذه الخلفية تبلغ مرجع سياسي بارز يفهم العقل السعودي تقريراً اولياً عن زيارة جعجع الى الممكلة تناول ما دار في لقاءاته من عناوين دونها تفاصيل كثيرة، وهو حصيلة ما تسرب من اللقاء، بعدما تحول اللقاء الذي جمعه بالرئيس سعد الحريري وعاء لينضح ما نضح به اللقاء مع العاهل السعودي ووليي العهد ووزير الخارجية الذي تعرف اليه جعجع للمرة الاولى.
لم يقرأ المرجع السياسي الكلام السياسي في مضمون التقرير الخاضع للاستنسابية والإيحاء بأن الملك سلمان ناقش التطورات مع الدكتور جعجع قبل ان يغادر في الخريف المقبل الى واشنطن ليبني على آرائه موقفه امام الإدارة الأميركية من تطورات الملف النووي الأميركي بعد الإتفاق بين طهران والغرب، وصولاً الى أحداث سوريا واليمن والعراق ولبنان.
وهو أمر غير صحيح على الإطلاق وإيراده بهذه الطريقة ليس بهدف السخرية، لكن الإشارة الى ان المرجع توقف ملياً وبتمعن أكثر من مرة امام اسماء الذي شاركوا الملك في لقاءات جعجع فقرأها بما تعنيه في مواقع أصحابها أكثر من مرة، وتوقف امام كل اسم امير ومسؤول منهم، محللا ما يمكن ان يدور في مثل هذه اللقاءات وعلى هذا المستوى من الأهمية في الهيكلية القيادية الملكية الجديدة، التي تسلمت مهامها في الخريف الماضي بعيد تسلم الملك سلمان سلطاته، والنفضة التي شهدتها المملكة، وصولا الى رأس الديبلوماسية السعودية التي جاءت طبيعية أكثر من غيرها. فالأمير الراحل سعود الفيصل عّد متوفياً منذ فترة ولو كان قادرا على المشي الصعب.
ومن هذه المنطلقات ظهر للمرجع القارىء بوضوح ان المملكة تعي أهمية الملف اللبناني وتعطيه أولوية على ملفات أخرى وستخصص له وقتاً إضافياً في قريب الأيام. فلقاءات جعجع لن تكون الأولى والأخيرة ولن تكون يتيمة لبنانياً وستتكرر مرة أخرى، وفق برنامج زيارات، ووفق لائحة جمعت اسماء قيادية أخرى يتقدمها النائب وليد جنبلاط ومعه نجله تيمور، فالرئيس امين الجميل ونجله رئيس حزب "الكتائب" الجديد سامي الجميل، ومن بعدهما الرئيس السابق للجمهورية العماد ميشال سليمان وقد تشمل اللقاءات قياديين آخرين من حلفاء المملكة وأصدقائها من دون اي مفاجآت.
وقصد المرجع الإشارة ايضاً الى ان لدى المملكة اولوية ما للملف اللبناني فهو الى وجعها مما يجري في اليمن، الذي قادها الى "عاصفة الحزم"، ومن بعدها الى "مسيرة الأمل" وصولا الى عملية عدن، ما زال للبنان في لعبتها الخارجية موطىء اهتمام يتقدم على الوضع في العراق وسوريا، ليس لأنه اهم او يقلقها أكثر. فهي تعي ان المفتاح اللبناني يقود الى ثغرات في ملفي سوريا والعراق الأكثر تعقيداً، ويحتاج البحث فيهما الى أشهر من المفاوضات على وقع الموجات الدموية التي ستستمر الى أجل غير مسمى.
فهو يدرك حجم تسخير أطراف الصراع كل قدراتها على المستويات كافة وكامل اسلحتها وانتاجها الحربي وقدراتها السياسية والديبلوماسية لفرض امر واقع جديد في سوريا ما زال صعباً. وهم يدركون انه وطالما ان أي فريق لن يتمكن من الحسم الكبير ودونه عقبات ولن يستطيع أحد سوى تحقيق تقدم محدود في مواقع صغيرة غير استراتيجية يستغل فيها الطرفان نقطة ضعف ما لدى الطرف الآخر، فالجميع يدرك أن استعادة النظام سيطرته على مناطق حيوية مستحيلة، كما أن المعارضة لن تتمكن من ضرب النظام في مواقع استراتيجية باتت مرسومة بدقة في مختلف المناطق السورية المشتعلة.
ومن هذا المنطلق وفي انتظار فهم المزيد من عناوين السياسة السعودية الخارجية والعربية التي تعطيها الأولوية قياساً على قدراتها السياسية والديبلوماسية لن تكون هناك قراءة مستفيضة لمستقبل التطورات. فكل ما هو مفهوم من اللقاءات ان المملكة لم تعبر عن قلق كبير من الإتفاق الإيراني- الغربي طالما انه يضع حداً للسباق النووي بين طهران وتل ابيب في المنطقة، إذ أنهما انتظما في معادلة بسيطة تقول ان الأولى وضعت قدراتها النووية تحت العباءة الدولية، والثانية تحت العباءة الأميركية للإحتفاط بتفوقها على جيرانها على ان يبقى سلاحها إحتياطاً اميركياً قبل ان يكون اسرائيلياً.
ولذلك، فإن المطلوب من قراءة توجهات جعجع المسيحية المقبلة، وخصوصاً إن صح انه تعهد قبل الحوار معه بتغيير موقع عون الى جانب "حزب الله" وايران وهو لم يفلح في ذلك الى اليوم. فالعماد عون بات في موقع متقدم يشرب المزيد من القوة من الإتفاق النووي اكثر مما يمنن النفس بنتاج تفاهمه وجعجع على ورقة نوايا فيها ما يكفي من الشعر والأدب السياسي، الذي يتقنه اللبنانيون ويجمعون على معظم عناوينها وهي التي كرست في المقابل كل أوجه الخلاف الأخرى التي تعني السعودية في لبنان والمنطقة.
وعليه فان المهمة السياسية تفرض المزيد من الإنتظار لفهم نتائج زيارة جعجع، وبانتظار الجولات الأخرى، ليتبين الخيط الأبيض من الأسود، وان العملية ستستغرق الصيفن والى الخريف الملتقى من دون اي جديد تعلق عليه الآمال بخارطة طريق الى المستقبل.
(خاص "لبنان24")