يحتاج تريث الحريري في استقالته للتفتيش بين الأوراق اللبنانية كما في الدفاتر اﻻقليمية لاكتشاف ماهية الظروف المتبدلة عقب عودته من الرياض "مستقيلاً"، خصوصا في ظل مؤشرات وصلت للبنان من الخارج ستعكس نتائجها لتعزيز اﻻستقرار اللبناني من جهة ولإعادة التموضع السياسي وفق المتغيرات اﻻقليمية من الجهة اﻻخرى.
لعل رحلة الحريري الأخيرة، أدت تلقائيا لعملية خلط أوراق ضمن الواقع اللبناني، كما دفعت دول مؤثرة لإجراء مراجعات شاملة لملفات المنطقة الساخنة، ﻻ ينحصر اﻻمر بالسعودية حصراً بعدما انسحب الوزير ثامر السبهان من الصورة وتم إيفاد السفير الجديد وليد اليعقوب الى بيروت على عجل، بل يتعداه نحو إيران التي ظهرت متشددة تجاه سلاح حزب الله، فضلا عن انعكاسات العملية التفاوضية لفض النزاع السوري. بالمقابل، ظهرت فرنسا وخلفها مصر في أداء متناغم على خط المعالجة في لبنان.
الخلاصة الأساسية إقليميا، تكمن بطموحات مستجدة لمصر كما لفرنسا باستعادة الحضور والدور المؤثر في البلد الصغير، وكان في السابق لكل منهما دورا في مرحلة تاريخية ما، المفارقة هي بكون الدولتين تبديان شراكة واحدة في الوقت الراهن.
الرغبة الفرنسية تكمن في استئناف فعاليتها في الشرق اﻻوسط من البوابة اللبنانية، ولا يقتصر اﻻمر على دخول إدارة ماكرون على خط اﻻزمة بين لبنان والسعودية، بل يتعداه صوب أهداف إستراتيجية في التحرك الفرنسي، واﻻهم هو سعي الرئيس الفرنسي لحجز كرسي لبلاده على طاولة المفاوضات لحل اﻻزمة السورية إلى جانب الدول العظمى روسيا وأميركا، من هذا المنطلق يعتبر أن لبنان يشكل المجال الحيوي المتاح راهنا، بعد اخفاقات شيراك كما ساركوزي على صعيد الوجود الفرنسي الفاعل في المنطقة.
في هذا المجال، تسرب لقاء لم يكشف عنه في حينه جمع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في العاصمة القبرصية في طريق عودته إلى باريس قادما من جولته الخليجية، فرضته ظروف استقالة الحريري من الرياض ما حتم زيارة ماكرون السعودية على عجل خارج جدول أعماله بمسعى إماراتي.
وبحسب المعلومات المتوافرة اتفق الجانبان المصري والفرنسي على الدخول على خط اﻻزمة وضرورة عودة الحريري الى بيروت في سياق تثبيت اﻻستقرار اللبناني، اﻻمر الذي أتاح انضاج تسوية عاجلة للملف اللبناني وفق ترتيبات تقضي بحفظ لبنان عن توترات المنطقة.
ووفق مصدر دبلوماسي أوروبي لـ"لبنان 24"، فإن الربط بين إقتحام فرنسا الساحة اللبنانية بكل تعقيداتها وتشابكها، كما وراء حماسة مصر تكمن بحسابات الغاز والنفط وحفظ أمن حوض البحر اﻻبيض المتوسط، خصوصا بعدما بادرت وزارة الدفاع الفرنسية تزويد مصر بـمدمرة بحرية إلى جانب حاملتي طائرات ضمن رؤية فرنسية متعلقة بشراكة مع مصر كونها الطرف القوي في المنطقة على كل الصعد.
كما أنه ليس خافيا على أحد، رغبة مصر في ترسيخ حضورها الفاعل إقليميا من باب قطاع غزة من جهة وبملف الحقول النفطية وأخيرا باﻻستثمار التنموي العملاق مع دول الخليج، خصوصا وأنها قادرة على منح ضمانات معينة في الحقول المتداخلة بين لبنان واﻻراض المحتلة، وهو ما لا قدرة لقبرص على منحها لشركات دولية بعدم ضرب منصاتها في عرض البحر المتوسط عند أول مواجهة بين إسرائيل وجيرانها من جانب لبنان كما من حدود غزة.