على أساس الثوابت الروسيّة التي كانت المتحدِّثة باسم وزارة الخارجيّة في موسكو ماريا زاخاروفا قد حدَّدتها نهار الخميس الماضي عندما قالت إنّ بلادها تعوِّل على حفاظ لبنان على التوازن السياسيّ الداخليّ بعد عودة رئيس الوزراء سعد الحريري إلى بيروت، مشيرةً إلى أنّ المقصود بهذا التوازن هو ما تحقَّق على الساحة الداخليّة في أعقاب انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهوريّة وتكليف الرئيس الحريري بتشكيل الحكومة، جاءت المواقف التي عبَّر عنها السفير الروسيّ في لبنان ألكسندر زاسبيكين في هذا الخصوص لتُجدِّد التأكيد على رسوخ تلك الثوابت، ولا سيّما بعدما أشاد نهار أمس السبت ببدء المشاورات وتأمين عمل مؤسّسات الدولة إثر عودة الرئيس الحريري إلى البلاد وتراجعه عن استقالته التي أعلنها من الرياض، الأمر الذي يشكِّل فرصةً للعودة إلى التفاهمات حول النهج السياسيّ التي تمّ التوافق عليها في إطار التسوية الرئاسيّة العام الماضي.
السفير زاسبيكين، وفي لقائه مع برنامج "ملفّات ساخنة" على أثير إذاعة "سبوتنيك"، لفت إلى أنّه يرى تفاؤلًا بين الأطراف الأساسيّة للمكوِّن السياسيّ في لبنان، موضحًا أنّ الرئيس الحريري كانت له أسبابه في مسألة الاستقالة، وذلك نظرًا لعدم نجاح الحكومة خلال الفترة السابقة جرّاء وجود بعض النواقص، وهي الأسباب التي استوجبت إطلاق دعوته بخصوص ضرورة العودة إلى سياسة النأي بالنفس.
وإذا كان السفير زاسبيكين قد لفت أيضًا إلى أنّ المواقف المعلنة من قبل الجميع تتركَّز على ترسيخ الاستقرار في البلاد، فإنّه نوَّه في الموازاة بأنّ الجميع أيَّد سعد الحريري بصفته رئيسًا للوزراء، قائلًا إنّ هذا الأمر يُثبِت أنّ كلّ القوى تريد استمرار الحكومة، ومشدِّدًا على أنّه في حال وجودِ إشكاليّاتٍ حول النهج السياسيّ، فهذا الأمر سيعالجه اللبنانيّون بأنفسهم من دون تدخُّلٍ خارجيٍّ.
أمّا بالنسبة إلى المخاوف من احتمالِ نشوبِ حربٍ بين إسرائيل وحزب الله في ظلّ المعطيات والتوقّعات التي تشير إلى أنّ ساحة هذه الحرب، إنْ وقعت، ستمتدّ من الجولان السوريّ إلى جنوب لبنان، فإنّ السفير زاسبيكين لم يتردَّد في القول إنّ نموّ هذه الهواجس جاء في ضوء التصعيد حول حزب الله، إجمالًا من السعوديّين والإسرائيليّين، وصولًا إلى بيان الجامعة العربيّة، "ولكنّ هذا شيءٌ مستبعدٌ في هذه المرحلة، ولا توجد دوافع لإشعال هذا الاشتباك الذي يؤدّي إلى خسائر بين الأطراف، خاصّةً مع وجودِ أمورٍ أخرى أكثرَ أهمّيّةً، وهي مكافحة الإرهابيّين"، على حدِّ تعبيره.
وعن تصريحه بأنّ ما حصل مؤخَّرًا في لبنان له بعدٌ إقليميٌّ – سياسيٌّ كبيرٌ، قال السفير الروسيّ إنّ المقصود بهذا هو أنّ الولايات المتّحدة تهاجم إيران بشكلٍ واضحٍ ولأهدافٍ معروفةٍ، وهذا النهج يتوافق مع إسرائيل، مشيرًا إلى أنّ "السعوديّة تقف أيضًا في نفس الموقف من إيران وحزب الله".
من هنا، أكَّد السفير زاسبيكين على أنّ تهدئة الأمور في لبنان تكون بالمشاورات بين القوى السياسيّة المحلّيّة، مشدِّدًا على أنّ بلاده تقف بشكلٍ حاسمٍ ضدّ سياسةِ فرضِ أيِّ عقوباتٍ تأتي من خارج مجلس الأمن الدوليّ من أجل ممارسة الضغوط الخارجيّة على الساحة الداخليّة اللبنانيّة.. وهذا كلامٌ إنْ دلّ على شيء، فهو يدلّ على أنّ لبنان أصبح محصَّنا اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مضى في مواجهة أطماع الآخرين في أرضه ووحدته وسيادته واستقراره، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّنا عندما نتحدَّث اليوم عن حصانةٍ روسيّةٍ، فإنّ المقصود هنا هو الحصانة المقدَّمة من دولةٍ باتت صاحبة النفوذ الأكبر في وضع المعادلات الشرق أوسطيّة الجديدة.. وحسبي أنّ ما على اللبنانيّين سوى تلقُّف هذه الفرصة النادرة جيّدًا، والبناء عليها، واليقين.