ما خلص إليه مؤتمر وزراء دفاع "التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب" من ضرورة ملاحقة الجماعات الإرهابية، ووقف عمليات تشويه الدين الاسلامي والتحريض الطائفي، ليس جديداً في مساعي غير دولة عانت من تهديد الإرهاب بأشكال متفاوتة، الجديد هو إقرار استراتيجية عملية للتحالف لمتابعة هذه المهمة، تقوم على أربعة مجالات: الفكري، والإعلامي، والتمويلي، والعسكري.
"التحالف" والتهديدات
من نافل القول أن العرب والمسلمون يواجهون تحديات وتهديدات كبرى في الأمن الاستراتيجي، وفي استقرار المجتمعات والدول، يأتي في مقدمها الارهاب بكل صوره وأشكاله، خصوصاً وأنها تتزامن مع هجمة إقليمية أفقدت دولاً استقرارها ورمتها في دوامة حروب أهلية ومذهبية مدمرة، لكن الأهم من كل ذلك، هو أن الإسلام نفسه يعاني من انشقاقاتٍ سهّلت على المتربصين التدخل بدون روادع من وحدةٍ أو تماسُك.
الارهاب لم يشوه صفاء الإسلام وسماحته فحسب، بل أثّر بشكل مباشر على الاجتماع الانساني، وعلى الأمن القومي والوطني، وأزهق أرواحاً بريئة، واستدرج شباباً وغرر بهم، واستنزف مقدرات هائلة كان بالإمكان الإفادة منها في تطوير أنظمة التعليم وبرامج الصحة والتنمية والشراكات مع العالم. العالم الذي بات مدركاً أكثر من أي وقت مضى بأهمية هذه المواجهة، وإذا كان العالم الإسلامي مطالباً بإنجاز المراجعات الفكرية بوجه المفاهيم المشوهة، فإن المواجهة في قطاعات التمويل والأمن السيبري والعسكر تحتاج شراكات قوية وثابتة.
ثمة من يقول إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب جادة في انتهاج سياسات جديدة في الشرق الأوسط، وأنها تدرك فشل نموذجين أميركيين سابقين: سياسة التدخل الشديد (بوش الابن)، وسياسة الانسحاب الشديد (أوباما)، فالأولى خلّفت بؤراً للفوضى استغلتْها إيران، واستغلتها الحركات المتطرفة، أما الثانية فأوجدت فراغاً سمح لروسيا بالحلول محل أميركا في الإقليم، كما فتح مجالات لتركيا وإيران للعب أدوار أكبر، وبالتالي فإن الإدارة الحالية ترى نفسها مسؤولة عن إعادة النظر والتوازن والفوضى التي حصلت في العراق وبحق الشعب السوري وأمكنة وبقاع أخرى، ومن المهم ملاقاة هذه الإرادة وتوظيفها في خدمة قضايا المنطقة الملحة.
السعودية تبادر، ولا يستقيم اتهامها بغير ذلك، فهي اتخذت في الأعوام الأخيرة سياسات وقائية وأخرى دفاعية عدة. تدخلت في البحرين، وحمت عبر التحالف العربي اليمن من الضياع، وهي اليوم تنحو باتجاه تعزيز الأمن الاستراتيجي بوسائل غير تقليدية عبر التحالف العسكري العسكري، ليس حفظاً لأمنها فحسب، بل لمصلحة كل الدول الأعضاء ولأمن وسلامة المجتمع الدولي. الدول الاسلامية في آسيا وإفريقيا وفي المشرق العربي ومغربه لا تُواجِهُ المشكلات ذاتها لكن مصالحها واستقرارها الداخلي مهدد، وبهذا المعنى تكون الغايات والأهداف المرتجاة تصب في خانة الأمن والسلام الدوليين، فضلاً عن المصالح الوطنية الداخلية، وبهذا المعنى أيضاً تثبت السعودية أنها في مقدمة الجبهة الدولية لمحاربة الارهاب باعتبار الأمر خيار لتحرير الدين والحاضر والمستقبل، ولتصحيح العلاقات مع النفس والآخر والعالم.
في أولويات المهمة
آن أوان الحديث عن "المابعد" .. ما بعد داعش وما بعد القاعدة، بل وما بعد الإسلام السياسي في جوانبه الأمنية والعسكرية والدينية والفكرية والإعلامية والقانونية والتعليمية. الإرهاب يقتضي المواجهة الأمنية والعسكرية. أما التطرف فهو مرضٌ داخليٌّ في الدين والمجتمع. وينبغي مواجهتُهُ ومكافحة آثاره على السكينة الدينية، وعلى تهديد الدولة الوطنية. فالتطرف الذي يؤدي إلى العنف، يشوّه الدين، ويدمّر نظام الدولة، ويهزّ استقرار المجتمع...
لقد انطلق التحالف الاسلامي العسكري.. والجميع يدرك أن العقبات كبيرةٌ وكثيرةٌ، وأن الموقف حافلٌ بالتحديات التي خلْفتْها المرحلة الماضية. لكنّ الأمل بالحياة، والثقة بالمستقبل، والرهان على سلامة الدين والأوطان، والإنسان والعمران ما كان أبداً رهاناً خاسراً: (والله غالبٌ على أمره، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون).