قد يكون هدف المشاورات التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وللمرة الثانية، منذ أزمة الرابع من تشرين الثاني، الإستماع إلى آراء مختلف القيادات الممثلة في الحكومة أو تلك التي لا تمثيل لها، والتي هي اقرب إلى المعارضة.
من نافل القول أن آراء جميع الأفرقاء على الساحة السياسية معروفة سلفًا، وهم يعبّرون عنها في كل المناسبات، ومن غير المنطقي أو الطبيعي أن يكون ما يعبّرون عنه في العلن غير ما قالوه لرئيس البلاد، بإعتبار أن الظرف الدقيق لا يسمح بأن تكون المواقف مزدوجة المعايير، وهو أمر يعرفه القاصي والداني، وبالأخص الأطراف الإقليميون المعنيون بالأزمة المستجدة.
فما قاله وما سيقوله هؤلاء يبقى من باب تأكيد المؤكد فيما يبقى موقف "حزب الله" هو المعوّل عليه، والذي يمكن إعتباره الحدّ الفاصل بين تحويل التريث إما عودة عن الإستقالة وإما إصرارًا عليها، خصوصًا أن الرئيس سعد الحريري لم يعد يملك هامشًا واسعًا للمناورة وتدوير الزوايا في ما يتعلق بأي تسوية جديدة، ويقول البعض أنها صيغة منقحة عن تسوية "بيت الوسط"، التي أفضت إلى إنتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية ورئيس تيار "المستقبل" رئيسًا للحكومة، مع فارق اساسي أن وضعية الحريري اليوم تبدو مغايرة للوضعية التي كان عليها قبل سنة، وقبل أن تدخل المملكة العربية السعودية على خطّ الأزمة اللبنانية بهذه القوة، وبعد الكلام الواضح لولي العهد الأمير محمد بن نايف الذي رسم لرئيس الحكومة المستقيل وغير المستقيل خارطة طريق لتحركه ضمن بيئته السنية، حين أشار بما معناه إلى أن الرئيس الحريري السني لا يمكن أن يقبل أن تكون الحكومة اللبنانية ممسوكة من قبل "حزب الله"، وهو أتى مكمّلًا لحيثيات كتاب الإستقالة ولبيان وزراء الخارجية العرب، وكأن الرياض أبلغت من في يدهم مفتاح الحلّ والربط بأن إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الرابع من الشهر الجاري أمر غير مقبول، مع ما يحمله كلام بن سلمان من إشارات واضحة وحاسمة بالنسبة إلى دور "حزب الله" في المنطقة، وبالأخص في اليمن، الذي يُعتبر بيت القصيد في معادلة الحرب والسلم في آن.
فكرة المشاورات الجارية في بعبدا موضوعة الآن في مرمى "حزب الله"، الذي يعود له وحده دون سواها أمر فكفكة العقد والتقدم بإقتراحات لا يموت معها الديب ولا يفنى الغنم، لجهة تجاوبه مع مطلب النأي بالنفس، وليس على طريقة غليه وشرب مائه، مثلما حصل مع إعلان بعبدا.
فما قاله النائب محمد رعد منذ ما يقارب الأربع سنوات خلت إختلفت ظروفه ومعطياته اليوم، مع العلم أن إنخراط "حزب الله" في المعارك السورية في حينه مغاير لواقع تواجده اليوم في سوريا، بعدما أدّى الأدوار المطلوبة منه، وبعدما غيرّت مشاركته في القتال إلى جانب النظام السوري المعادلت الميدانية، إذ اصبح اليوم أكثر قابلية للتجاوب مع رغبة الأكثرية في إلتزام لبنان سياسة النأي بالنفس، من دون أن يعني ذلك إدخال موضوع سلاحه في "بازار" المقايضة والمساومة، بإعتبار أن التهديدات الإسرائيلية هي اليوم أكثر عدائية من أي وقت مضى، ومن غير المنطقي تسليم "حزب الله" ما يملكه من عناصر قوة رادعة لمشروع التصفية على طبق من فضّة.
وفي رأي بعض المتابعين أن مشاورات بعبدا كان يمكن إختصارها بعرض ما يمكن أن يقدّمه "حزب الله" من تنازلات أو من تصّور متقدم للخروج من الأزمة الراهنة، تسهيلًا لعودة الحريري عن إستقالته وتعويم حكومة "إستعادة الثقة" بين مكوناتها أولًا، وبينها بين جمهورها ثانيًأ، بإعتبار أن بقاء الحكومة وعودتها إلى سابق عهدها يشكّل مصلحة إستراتيجية لـ"حزب الله"، الذي يحتاج إلى غطاء شرعي لإي حرب مقبلة مع العدو الإسرائيلي، الذي لا ينفك في إرسال ما يستطيع إليه سبيلًا من رسائل ومن تهديد.
فهل سيقدم "حزب الله" للحريري ما لم يستطع غيره تقديمه؟