لو لم تُسارع وسائل الإعلام الدائرة في فلك دول "التحالف العربيّ" بقيادة المملكة العربيّة السعوديّة إلى استبدال صفة "الرئيس المخلوع" بصفة "الرئيس السابق" لدى الإشارة إلى اسم علي عبد الله صالح في تغطياتها للتطوّرات الدراماتيكيّة المتسارعة التي تشهدها العاصمة اليمنيّة صنعاء منذ الأمس، على خلفيّة إرهاصات دعوته المفاجئة إلى الانتفاض ضدّ جماعة "أنصار الله" الحوثيّة، لكان قد أصبح من السهل على المراقبين إدراج هذه الدعوة في سياق النقلات التكتيكيّة التي تقوم عادةً على العُرف التقليديّ القائل بعدم وجودِ صداقاتٍ دائمةٍ أو عداواتٍ دائمةٍ في السياسة، ولما كانت الشُبهات قد حامت في الموازاة على الفور حول طبيعة مسبِّباتها الحقيقيّة ونزاهة أهدافها المرجوَّة، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ تداعيات هذا التحوِّل الجذريّ في خارطة التحالفات الداخليّة اليمنيّة لم تكد تطفو على سطح الأحداث، حتّى طغت بأهمّيّتها على تداعياتِ أحداثٍ أخرى كان يُفترَض أن تتصدَّر العناوين الرئيسيّة للأخبار خلال الأيّام المقبلة، وعلى رأسها مستقبل دور الأمم المتّحدة في مجال رعاية الجهود المبذولة من أجل التوصُّل إلى تسويةٍ سياسيّةٍ للأزمة السوريّة في ضوء النتائج المبهَمة التي آلت إليها الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف إثر مغادرة الوفد الحكوميّ السوريّ برئاسة السفير بشّار الجعفري إلى دمشق من دون تحديدِ موعدٍ للعودة إلى استكمال لقاءاته مع المبعوث الأمميّ ستفان دي ميستورا، وكذلك مستقبل دور مصر في مجال ضبط إيقاع منظومة الارتصافات الإقليميّة والدوليّة التي تتشكَّل للتوّ من أجل رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد في ضوء الاتّفاق الذي تمّ إبرامه مؤخَّرًا بين موسكو والقاهرة بشأن منح المقاتلات الروسيّة حقَّ استخدام القواعد العسكريّة المصريّة للمرّة الأولى منذ سبعينيّات القرن العشرين، وهما حدثان لا يختلف اثنان من المراقبين في الوقت الراهن على مدى ارتباطهما بشكلٍ وثيقٍ بالحدث اليمنيّ الأخير.
في الحالة السوريّة، يمكن الجزم بأنّ ذهاب وفد المعارضة إلى مفاوضات "جنيف – 8" متسلِّحًا بمفردات اللغة الحازمة والمتشدِّدة للبيان الصادر عن مؤتمر "الرياض – 2" بشأن وجوب رحيل الرئيس بشّار الأسد عن السلطة في بداية المرحلة الإنتقاليّة، وليس أثناء دوران عجلتها، وإنْ كان قد بدا في بعض تجلّياته وكأنّه يندرج في سياق نقلةٍ تكتيكيّةٍ تستهدف إعادة عقارب الزمن السوريّ إلى الوراء، أيْ إلى عام 2011، ولكنّه أثبَت في المقابل أنّ تجارب السنوات الستّ الماضية لم تُوصِل بَعْد هذا الوفد إلى مستوى النضوج الذي يؤهِّله للتعاطي باحترافيّةٍ وحذاقةٍ مع المسؤوليّات الوطنيّة الملقاة على عاتقه، وخصوصًا في مجال قراءة الوقائع السياسيّة والعسكريّة الجديدة التي فُرِضَت في البلاد على خلفيّة ما أفضت إليه مسارات جنيف – أستانا – سوتشي، سواءٌ بالنسبة إلى شروط التسوية المرتقَبة أم بالنسبة إلى ضمان مستقبل الرئيس الأسد، الأمر الذي لم يتردَّد السفير الجعفري في التعبير عنه بكلِّ شفافيّةٍ ووضوحٍ في أكثرَ من تصريحٍ صحافيٍّ أدلى به قبل مغادرته جنيف على مدى اليوميْن الماضييْن.
روسيا ـ تركيا ـ إيران؟
وإذا كان المتابعون للشأن السوريّ لا يحتاجون في هذه الأيّام إلى التمتُّع بالكثير من سِمات النباهة لإدراكِ حقيقةِ ما بات في حُكم المؤكَّد من أنّ الدول الثلاث الضامنة للاستقرار في سوريا وفقًا لمرجعيّتيْ أستانا وسوتشي، أيْ روسيا وتركيا وإيران، لا تسعى، منفرِدةً أو مجتمِعةً، إلى القفز فوق مفاوضات جنيف باعتبارها المرجعيّة الأمميّة الأساسيّة التي يُفترَض أن تُفضي في نهاية المطاف إلى تحقيق التسوية السياسيّة المرجوَّة، فإنّ أبرز ما يمكن أن يُستشَفَّ من فحوى بيان "الرياض – 2"، بحسبِ وجهةِ نظرِ خبيرٍ استراتيجيٍّ روسيٍّ اتّصلتُ به هاتفيًّا الليلة الماضية، يتمثَّل في أنّ "السعوديّة أرادت استخدام ورقة وفد المعارضة السوريّة إلى جنيف سياسيًّا من أجل تحقيق مكاسِبَ عسكريّةٍ تضمن لها المحافظة على ماء وجهها في اليمن، وذلك عن طريق الإيحاء للمجتمع الدوليّ بأنّها لا تزال تمتلك قدرة التأثير بفاعليّةٍ على مسارات الأحداث في المنطقة"، الأمر الذي يفسِّر سبب تنشيط غارات "التحالف العربيّ" الجوّيّة المكثَّفة على مواقع الحوثيّين بالتزامن مع إعلان "الرئيس السابق"، والمخلوع سابقًا، علي عبد الله صالح عن انتفاضته الجديدة.
أمّا بالنسبة إلى الحالة المصريّة، فإنّ مصطلح "المحافظة على ماء الوجه" ظلّ حاضِرًا في حديث الخبير الاستراتيجيّ الروسيّ لدى التطرُّق إلى دلالاتِ زيارةِ الأمس التي قام بها وزير الدفاع الأميركيّ جيمس ماتيس للقاهرة بعد مرورِ ثلاثةِ أيّامٍ فقط على زيارة وزير الدفاع الروسيّ سيرغي شويغو التي تمّ خلالها الاتّفاق على فتح المجال الجوّيّ المصريّ أمام المقاتلات الروسيّة ومنحها حقَّ استخدام القواعد العسكريّة، ولا سيّما بعدما استشعَرَت الولايات المتّحدة خطرًا يُنذِر بأنّ وصول التعاون الروسيّ – المصريّ إلى هذه الدرجة المتقدِّمة يمكن أن يؤثِّر بشكلٍ سلبيٍّ على مكانِ تموضعِ مصر في خارطة التحالفات العربيّة والدوليّة، بنسختها الأميركيّة، في الحرب على الإرهاب، الأمر الذي استوجَب جسَّ نبض الرئيس عبد الفتاح السيسي على عجلٍ، أملًا في استقراء ملامح مواقفه وتحرُّكاته المقبلة.
من هنا، وبالنظر إلى أنّ ثمّة من ينظر بارتيابٍ إلى تلك المواقف والتحرُّكات على خلفيّة الخشية من أن تؤدّي في مجملها إلى إعادة استنساخ النموذج الناصريّ، نسبةً إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في مجال اللعب على حبال التوازنات الدوليّة بين واشنطن وموسكو خلال خمسينيّات وستّينيّات القرن الماضي، وما أسفرت عنه نتائج التأرجح على هذه الحبال من انفصامٍ واضحٍ لازَم الشخصيّة الوطنيّة المصريّة طيلة العقود الماضية بين ثقافة الحرب واللا حرب، ومتاهة السلم واللا سلم، يُصبح في الإمكان القول بكلِّ أمانةٍ إنّ الخشية الحقيقيّة من المستقبل في هذا الوطن الذي لا يزال يُسمّى بقدرةِ قادرٍ وطنًا عربيًّا، في ظلّ استمرار هشاشة أمنه القوميّ، تتجسَّد حاليًّا، وأكثر من أيِّ وقتٍ مضى، في أنّ أبوابه لا تزال مفتوحةً من المحيط إلى الخليج على مصاريعها لاستقبال صراعات الغرباء عنه في ساحاته وميادينه، ولسماع نعيق غربان الموت السوداء في فضاءاته وأرجائه.. وحسبي أنّ اليمن سيشكُّل اعتبارًا من الآن وحتّى إشعارٍ آخَر نقطةَ ارتكازٍ لاجترار هذه الدوّامة الانهزاميّة المخزية، اللهمّ إلّا إذا أدرك المتصارعون الإقليميّون والدوليّون أنّ وجوههم لا تحتاج إلى الدماء من أجل تنظيفها بقَدْرِ ما تحتاج إلى المياه.. وعسى أن يتمكَّن العرب يومًا من معالجة مرض عمى الألوان المزمِن في عيونهم، لكي يتمكَّنوا يومًا من رؤية الحياة.