هكذا اخرجت واشنطن الملف الفلسطيني المصاب من غرفة العناية المشددة الى وسط ميدان دول المنطقة، نازعة عنه كل انابيب الانعاش ووسائل العلاج باعلانها القدس عاصمة الكيان الاسرائيلي.
لاشك ان إقدام الرئيس الاميركي ترامب على هذه الخطوة، بقدر الاحراج المقصود الذي تسببه للقادة العرب الذين تربطهم به مصالح مشتركة، جعلتهم عاجزين عن فرد ايديهم بوجهه وحتى فرد لسانهم الذي اقتصر فقط على التنديد والتهديد الذي لم يطله منه "قشة" تحفظ أقله ماء وجههم امام قواعدهم الشعبية العربية والاسلامية. بقدر ما فتح شهيّة دول أخرى كثيرة لملء الفراغ الاميركي الذي اختار باعلانه هذا الاصطفاف الى الجانب الاسرائيلي. وهذا ما يمكن قراءته من المواقف الجريئة للاعب التركي والتي رسمت حول الملف الفلسطيني خطاً احمراً عبر عنه رئيسها "رجب طيب اردوغان" عبر عنه خلال ترؤسه قمة التعاون الاسلامي حيث ظهرت تركية في موقف المقرر باسم الدول الاسلامية التي " لن تتنازل"، والطرف المسنود الواثق الحازم من ان لقاء القمة سيكون "نقطة تحول" هامة في هذا الملف. فعلى ماذا يعول اللاعب التركي في ذلك وهل كلمة الدول الاسلامية للمرحلة المقبلة ستكون بختم السلطنة العثمانية؟
وفقا للمعطيات الاخيرة التي تحدثت عن الحراك التركي في ازمات المنطقة وتحديدا في سوريا، فإنها تشير الى ان انقرة بقدر معارك الكر والفر الدبلوماسية التي خاضتها مع اللاعبين الاميركي والروسي الا انها استطاعت بطريقة او بأخرى من فرض حضورها في ميدان المنطقة وذلك من البوابة الكردية تحت عنوان حماية امنها القومي فشكل ذلك سلاح مزدوج الخطورة بيدها بحيث يتطلب منها مهارة استعمال عالية لتفادي ارتداداته، مما شكل دافعا قويا لها لترقب والتقاط اي ورقة ساخنة تطرح على طاولة المنطقة تمكنها التخفيف من اعباء الدعم الاميركي للورقة الكردية سيما بعد فشل وعود الاخيرة في وقف دعمها، فاذا بورقة القدس الفلسطينية تشكل المعبر المريح للتعبئة ضد القرار الاميركي الذي هو في الاساس بحاجة الى القواعد التركية والمجال الجوي التركي والى حد ما الدعم الدبلوماسي في سوريا في حال ارادت واشنطن لعب دور على المدى الطويل في سوريا، على حد تعبير السفير الاميركي السابق جيمس جفري، وبخاصة في مواجهة ايران وحلفائها.
بالطبع الامن القومي التركي ليس هاجس اردوغان الوحيد فاستعادة ريادة العالم الاسلامي هو المرتجى التركي الذي لا ضير في احيائه طالما ان القوى العربية والاسلامية المؤثرة مكبلة بمصالحها المشتركة مع واشنطن. وهذا ربما ما راق للدب الروسي وحمله على جناح السرعة باتجاه انقرة لتعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري معها فاتحا مجال التبادل التجاري للعملة التركية المحلية بعد ايران، على ما يحمل ذلك من خطوات ذات تأثيرات مستقبلية كبيرة في حال توسعت على الدولار الاميركي.
سعي روسيا لتمتين التعاون مع دول مؤثرة في المنطقة وذات طابع اسلامي كتركيا وايضا مصر الذي طالها من "الطيب" الروسي نصيب كبير مع توقيع الطرفين عقد انشاء محطة الضبعة النووية والذي تم بحضور "بوتين " شخصياً، الامر الذي يؤشر الى سعي روسي لتوكيل قوى اسلامية طيعة معتدلة وغير منحازة في المنطقة قادرة على" شدشدة" اي تفلت للقبضة الاميركية في المنطقة وتحديدا سوريا بشكل يحفظ الخارطة التي رسمتها موسكو لمستقبل المنطقة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يؤمن له انخراط اكبر في الاستراتيجية الاسلامية في المنطقة قد تصل الى حد الشراكة مع دولها، على ما قد يحقق له ذلك من رصيد اضافي يساعده في تقويض النفوذ الايراني ويسهم في الوقت عينه على المستوى الدخلي من حصد تأييد المسلمين الروس على ابواب الانتخابات المقبلة في العام 2018 والذين يقدر عددهم بحوالي 20 مليون نسمة، وربما هذا ما يفسر حرص موسكو على حضور قمة منظمة التعاون الاسلامي بصفة دولة مراقب ومواقفها التي تمسكت بالقدس الشرقية كعاصمة لفلسطين المستقلة مشددة على حل المسائل المتعلقة بالتسوية النهائية حول الاراضي الفلسطنية المحتلة في اطار مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين مقدمة نفسها كراعي بديل وسط على الراعي الاميركي المتحيز. فهل سينجح اللاعب الروسي في حراكه نحو القدس؟
كل ما يمكن القول في هذا المجال ان الدور الروسي ربما لن يختلف كثيرا عن دور نظيره الاميركي اقله على مستوى الملف الفلسطيني ومؤشرات ذلك يمكن قراءتها من خلال كلمة المتحدث الرسمي باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في بيان أصدره بالتزامن مع انعقاد قمة منظمة التعاون الاسلامية عبر فيه عن عدم موافقة الكرملين الروسي لمواقف الرئيس التركي اردوغان حيال اسرائيل وكان الرئيس التركي صرح مؤخرا بأن" اتخاذ أي قرار بشأن مدينة تخضع للاحتلال وهي القدس منعدم الأثر "، واصفا العدو الاسرائيلي بـ" دولة احتلال وارهاب" .
)ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)