يبدو أن الأزمة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب لن تنتهي مع إنتهاء السنة، وهي ستنتقل بكل مفاعيلها إلى العام الجديد، وذلك بعد الكلام الذي قيل من قبل الطرفين وإصرار كل منهما على موقفه، بإعتبار أن القصة ليست رمانة ترقية عدد من الضباط، بل هي قلوب مليانة تتعلق بموقع كل منهما في الحياة السياسية، وهي كانت قائمة طوال السنة الأولى من العهد الرئاسي، وتخللتها هدنة لم تدم طويلًا وقد فرضتها دقّة المرحلة والمحنة التي مرّ بها رئيس الحكومة، التي وصفها بـ"أنها مرة"، والتي أوجبت وقوف الرئيس نبيه بري إلى جانبه مع الرئيس ميشال عون.
فلو كانت المسألة مجرد توقيع وزير المال إلى جانب توقيع وزير الدفاع، وهما الوزيران المعنيان، كما جاء في نص المادة 54 من الدستور، لكان من الممكن تجاوزها بأقل أضرار ممكنة. ولكن القضية تتخطى الشكليات الأساسية لتصيب الجوهر، وهي تتلخص بذهنية سائدة لدى البعض ومفادها أن الدولة لا يمكن أن يحكمها رأسان أو ثلاثة، ولكل منهم دوره المحدّد بالدستور. وما لا يُقال في العلن يعبّر عنه داخل الجدران، وهو أن الرئيس عون ليس كسائر الرؤساء، وبالطبع من دون الإساءة بالمباشر للرؤساء السابقين، إذ أن حيثيته الشعبية، وهو الآتي إلى الرئاسة بإعتباره الأكثر تمثيلًا في بيئته، وهذا ما حاول المقربون منه إفهامه لـ"القوات اللبنانية"، عندما أعتقد "القواتيون" أنهم شركاء أساسيون في السلطة.
ولأن كلًا من رئيسي الجمهورية ومجلس النواب سلّفا الرئيس سعد الحريري دينًا في عزّ أزمته لا يمكن التنكرّ له يجد نفسه متريثًا في إتخاذ موقف حاسم، على رغم أنه وقّع مرسوم الترقية، وهذا ما أرضى الرئيس عون وأغضب الرئيس بري، وقد عبّر عن ذلك النائب وليد جنبلاط على طريقته، والذي أخذ موقفًا مؤيدّا لرئيس السلطة التشريعية.
وحيال هذا التباين بين الرئاسيتين الأولى والثانية في الموقف وفي وجهات النظر المتناقضة والمتعارضة يجد الرئيس الحريري نفسه حجرًا بين شاقوفين، وهو موقف لا يُحسد عليه كثيرًا، وذلك نظرًا إلى وضعيته السياسية، وهو لم يخرج بعد من أزمته العالقة بين الرياض والضاحية الجنوبية، محاولًا التوفيق بين متناقضين والسير على حبال التناقضات بكثير من الحذر، لأن أي خطوة ناقصة قد تودي به إلى حيث لا يريد.
وبذلك يُمكن القول أن شهر العسل الرئاسي لم يدم طويلًا، وهذا ما كان متوقعًا، وما كان يحاول بعض الذين أبعدوا عن طاولة التسويات التحذير منه، عندما وصل الأمر بالبعض إلى الحديث عن تحالف إنتخابي وسياسي خماسي الأضلع ومحاولة حشر "القوات اللبنانية" في زاوية العزل السياسي، وهذا ما راهنت عليه معراب منذ البداية، وهي لم تكسر الجرّة مع أحد عندما عاد وزراؤها الثلاثة إلى الحكومة، وهم الذين سبق لهم أن لوحّوا بالإستقالة قبل أن يقدم الحريري على خطوته في الرابع من شهر تشرين الثاني الماضي.