مرّت العلاقة بين "القوات اللبنانية" والتيار الوطني الحر"، بعد فشل تجربة "المساكنة" الحكومية، بإمتحان عسير لم تكن أسئلته سهلة وبقيت الإجابات عنها دون مستوى تحصيل العلامات المطلوبة والمحدّدة أساسًا في متن تفاهم معراب، الذي لم يحسب معدّوه والمشرفون عليه، ومن بينهم الوزير ملحم الرياشي والنائب ابراهيم كنعان، حسابًا لما يمكن أن يصادفه من مطبات في الطريق الذي أريد له أن يكون طويلًا، والذي لم يعدّ لينتهي عند حدود الإستئثار بالسلطة .
ما أعترض هذا التفاهم، وبالأخصّ في عامه الثاني، لم يكن منتظرًا ولا متوقعًا، إذ اعتقد الطرفان، ولم يكونا قد وصلا بعد إلى الحكم، سواء من خلال رئاسة الجمهورية أو من خلال المشاركة في حكومة "إستعادة الثقة"، أن لا شيء يمكن أن يؤثر على هذه العلاقة التي أنهت حالة طويلة من الخصومة وأرست جوًّا من الطمأنينة على الساحة المسيحية، بإعتبار أن ما تمّ التفاهم عليه من خطوط عريضة ومن مواضيع إستراتيجية، أقله على المستوى المسيحي الصرف، تتخطى بأهدافها ما تبقّى من تفاصيل.
إلاّ أنه تبّين من خلال الممارسة أن "شياطين" التفاصيل أطاحت بالمبادىء والإستراتيجيات، فكان ما كان من تنافر نتيجة خلل في تحديد الأحجام وفي بعض المقاربات التي لم تلتقِ عند حدود بنود ما تمّ التفاهم عليه. وقد تُرجم هذا الخلاف في وجهات النظر في عدد من الملفات، وفي طليعتها ملف الكهرباء، الذي كهرّب الجو بين بعبدا ومعراب، مرورًا بـ"ميرنا الشالوحي"، فضلًا عن التعيينات التي لم تلحظ حصة نسبية لـ"القوات"، خصوصًا أن ملف التعيينات في تلفزيون لبنان لم يحظَ بما كان الوزير الرياشي يخطّط له للنهوض بالتلفزيون الوطني.
وقد جاءت أزمة إستقالة الرئيس الحريري والتفسيرات المتناقضة التي رافقتها لتصبّ زيت الخلافات على نار التوترات التي تراكمت على خط بعبدا – معراب.
إلاّ أن عودة الحركة على هذا الخط من خلال ما يقوم به عرابا التفاهم "القواتي" – "العوني" فرضته حتمية التلاقي من جديد على الأسس التي أملت ولادة هذا التفاهم.
وعلى رغم التكتم الشديد من كلا الطرفين عن تفاصيل مناقشات اللقاءات الثنائية من خلال الرياشي وكنعان، فإن الأجواء توحي بأن ثمة حلحلة معينة في أكثر من نقطة كانت محلّ خلاف قد سجلت، خصوصًا أن جوهر اللقاءات يعتمد كمرتكز لتجديد العلاقة على العناوين العريضة، من دون إغفال بعض التفاصيل التي كانت السبب المباشر لـ"الخربطة" في مكان ما، وذلك قبل الحديث عن تفاصيل مهمة تتعلق بآلية التحالفات في الإنتخابات النيابية، والتي ربما قد يترك البحث فيها لإجتماع قد يعقد لاحقًا بين الدكتور سمير جعجع والوزير جبران باسيل، بغطاء سياسي من قبل رئيس الجمهورية.
إلاّ أن بعض المصادر القريبة من "القوات اللبنانية" توضح أنه من المبكر الحديث عن تقدم ملموس، وإن كانت نوايا القائمين بالمفاوضات والمساعي سليمة، وتؤكد ووفقًا لنظرية "أن المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، أن المطلوب تحديد مكامن الخلل في التنفيذ السابق ووضع النقاط على الحروف، بحيث لا يتعرّض أي إحياء الإتفاق لأي إنتكاسة مستقبلية، وبالأخص عندما تطارد "شياطين التفاصيل" الأهداف الكبيرة وتطغى عليها.
وتختصر مصادر مقرّبة من الطرفين وعلى إطلاع على بعض تفاصيل المناقشات لـ"لبنان24" الجو السائد بأنه يشبه إلى حدّ مفاوضات البدايات، مع فارق أن الأثنين يحاولان الإستفادة من أخطاء الممارسات التفصيلية ليبنى على الشيء ما تقتضيه المرحلة المقبلة من ضرورة تجاوز أي تفصيل قد يوثر سلبًا على الجوهر.