لم يكن سهلًا على الوزير جبران باسيل الإعتراف بأنه خسر معركة التعديلات، وبذلك يكون قد أطلق إشارة البدء العكسي لما يمكن تسميته بـ "التوازن السلبي" على جبهة "حرب الصلاحيات"، التي تسترت بمرسوم منْح سنة أقدمية لضباط دورة 1994، وهي تخفي في طياتها أزمة سياسية - دستورية بعد تساؤل الرئيس نبيه بري عن "اللاطائف" و"اللادستور"، وهي الخط الفاصل بين تشابك الصلاحيات وما يخفيه التجييش عشية بدء العدّ العكسي لمرحلة جديدة ستتكرس في السادس من أيار المقبل، وهو تاريخ يعني الكثير لأغلبية اللبنانيين.
وما الإستعداد اللوجستي لجميع الفرقاء اللبنانيين لهذا التاريخ، من خلال تحمية موتورات الماكينات الإنتخابية سوى خطوة أولى في مسيرة الألف ميل، والتي يعّول عليها الجميع للتأسيس للمرحلة المقبلة بما تعنيه في حسابات البعض، خصوصًا أن النواب الذين سيُنتخبون على أساس النسبية هم الذين سيختارون الرئيس المقبل للجمهورية، مع سعي عدد من الأقطاب الموارنة ( جبران باسيل وسمير جعجع وسليمان فرنجية)، وهم جميعهم من دائرة الشمال الثانية، لتثبيت أقدامهم ولإظهار مدى قوة شعبيتهم في الوسط المسيحي أولًا، وفي الوسط اللبناني ثانيًا.
وبعدما حسم رئيس الجمهورية موضوع مرسوم الأقدمية معزَّزاً برأي استشاري من وزارة العدل، وأنه بات نافذاً و"ليعترض مَن يُريد أمام القضاء"، سُجّل أمس تطور بارز مع إعلان رئيس "التيار الوطني الحرّ" "خسارته" في معركة الإصلاحات التي تَمسّك باعتمادها في الانتخابات المقبلة، كما في معركة تمديد فترة تسجيل اللبنانيين المغتربين في السفارات والقنصليات.
وبين مرسوم الأقدمية وسقوط التعديلات أمام أسوار عين التينة أعتبر أكثر من مراقب أن هذا التطور هو بمثابة "هدف التعادل" في حلبة "المعركة المفتوحة" بين الرئاستيْن الأولى والثانية، على أن تتبعها جولات في صناديق الإقتراع، وهي بدأت حين قطع الرئيس بري الطريق أمام الذين يعتقدون أنهم قادرون على دك إسفين بين حركة "امل" و"حزب الله"، وكذلك قطع الطريق على الذين "يحلمون" بتغيير ما في مرحلة ما بعد الإنتخابات، وتحديداً على جبهتيْ رئاسة البرلمان ووزارة المال.
وقد أتى اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة البحث في تطبيق قانون الانتخاب، ليؤكد المؤكد بـ"أن ما كُتب قد كُتب"، وقد خرج باسيل ليقول "للمرة الثالثة خسرتُ وخسر معي اللبنانيون الإصلاحات"، وأضاف: "خسرت أمام القرار السياسي بوقف الإصلاحات، وهذه خسارة لحريّة الناخب".
وعلى رغم "خسارته الإصلاحية" لم يستسلم باسيل، وهو المعروف عنه أنه لا يترك لخصمه أن يُسّر كثيرًا بإنتصاراته، أخذ المعركة إلى مكان آخر حين أكد "أن طرح التيار الحر دائما هو الدولة المدنية حتى في الأحوال الشخصية أيضاً"، مقترحاً مرحلياً ومن دون تعديل الدستور "إلغاء المذهبية السياسية في الوظائف الإدارية مع المحافظة على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين".
ويأتي هذا المناخ المحتدم مع انطلاق قطار الانتخابات على الأرض في ظل الاستعدادات لتقديم الترشيحات ومباشرة الأحزاب إطلاق ماكيناتها الانتخابية كما فعل "حزب الله" أمس بعدما أطلق نائب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم صفارة الإنطلاق، وهو قال "اننا مهتمون بإنجاح الانتخابات المفصلية لأنها ستأتي بإنتاج سلطة جديدة بعد مخاض طويل في المنطقة"، مؤكداً ان "حزب الله" "ربح قانون النسبية الذي يُعتمد للمرة الاولى وإجراء الانتخابات بموعدها". وأضاف: "لا نبحث عن غالبية نيابية ولا عن الثلث الضامن لأن المرحلة المقبلة تفرض تحالفات تختلف عن السابق والأهمّ هو سعة التمثيل وليس الاصطفافات".
وبذلك يكون كل من الحليفين الإستراتيجيين قد أمّنا تعادلًا سلبيًأ بعدما إعلن كل من باسيل خسارته وقاسم ربحه ليلتقيا عند مفاصل مهمة في الحياة السياسية، على أن تكون صناديق الإقتراع محطة مفصلية في النصف الثاني من السنة الثانية لعهد" التغيير والإصلاح".