مهما حاولت لغة الديبلوماسية في "ساحة الحدث" التشديد على أن العلاقة بين الشيعة والمسيحيين هي انعكاسٌ لعلاقة حزب الله - التيار الوطني الحر الاستراتيجية، وأنها ستبقى ما دامت الدماء تجري في العروق البرتقالية والصفراء، إلا أن اللقاء الجامع أول أمس بين النواب الان عون، علي عمار، وعلي بزي لم يلغ الهواجس التي بدأت تكبر في أوساط الثنائي الشيعي من سياسات وزير الخارجية جبران باسيل.
لم يمر مرور الكرام، عند المقربين جداً من حزب الله، خبر بحث رئيس الجمهورية العماد ميشال عون التطورات الأخيرة التي شهدها لبنان منذ يوم الاثنين الماضي مع مسؤول لجنة الارتباط والتنسيق المركزية في حزب الله وفيق صفا والنائب حسن فضل الله، على هامش تقديم واجب التعزية بوفاة والدة قائد الحرس الجمهوري العميد سليم فغالي، في كنيسة وادي شحرور.
طرحت أمس مصادر مطلعة على صلة بـ "حزب الله" عبر "لبنان24"، علامات استفهام حول مصير تفاهم مارمخايل؟ مستغربة انتظار المعنيين على مقلب بعبدا – حارة حريك مناسبة تقديم واجب العزاء لبحث مخاطر الأمور، لا سيما أن في ذلك إساءة لتحالف على مقربة من عيده الـ12 في 6 من الجاري.
تقول المصادر نفسها إن هذا التفاهم أصبح "مهزوزاً". خلاصة الوقائع السياسية منذ نحو سنة تنذر بتصاعد حدة التباين مع السياسة الباسيلية حول عناوين جوهرية كبرى في الداخل بدأت مع مفاوضات قانون الانتخاب.
ما تعانيه ورقة الراية الصفراء- التيار البرتقالي مرده وجود مكون سياسي على رأس السلطة ومكون آخر يعيش أزمة علاقة مع هذه السلطة التي أنتجها، ترى المصادر نفسها. حيث ارتسمت الأسئلة حول أداء وزير الخارجية، منذ إطلالته عبر قناة "الميادين" وقوله "الخلاف مع إسرائيل ليس أيديولوجيا"، الى شتمه الرئيس نبيه بري، وصولا الى مقابلة "الماغازين" واتهام حزب الله بالتغاضي عن بند بناء الدولة الوارد في وثيقة التفاهم بحجة الاعتبارات الاستراتيجية. فمن وجهة نظر الوزير العوني، لا يوفر حزب الله غطاء لرئيس المجلس النيابي فحسب، إنما يغض النظر عن الفساد المستشري ويرفض مقاربة كل شأن إصلاحي ربطاً بالأجندة الأكبر التي تمثل له الأولوية.
استوقفت هذه المحطات المتوجسين من الوزير البتروني الذي يريد، على حد قولهم، أن يقف على مسافة واحدة بين التموضع الاستراتيجي للسنة والتموضع الاستراتيجي للشيعة بانتظار المواجهة الكبرى في المنطقة.
فهل يكون ما تقدم بداية افتراق في الأجندات؟
لا تزال قيادة "حزب الله" مؤمنة بأن رئيس الجمهورية الأمين والشجاع هو ضمانة استراتيجية للمقاومة. لم "يغلط" في العناوين الوطنية. فهو جزء من حصانة المواجهة مع العدو. يرفض حزب الله منطق المتربصين شراً بالتفاهم والتشكيك بخيارات "الرئيس" الاستراتيجية.
يستعيد رافعو الرايات الصفراء محطات باهرة في دفاع الرئيس عون عن حزب الله لا سيما خلال زيارتيه الى مصر وفرنسا بقوله، إن اللبنانيين يعتبرون حزب الله قوة دفاع وليس حزباً إرهابياً، وتأكيد دوره في خلق توازن ردع مع "إسرائيل" ومحاربته الارهاب وحاجة لبنان اليه، ليشددوا على ما قاله "فخامة العماد" يوما "إنه و"السيد" واحد".
تتناغم المصادر نفسها مع رأي حارة حريك حيال مصداقية ووطنية الرئيس عون لكنها تبدي قلقا من استغلال الوزير باسيل وقوف الرئيس عون الاستراتيجي إلى جانب المقاومة لإطلاق يده في السياسة الداخلية بتحالفاتها وتموضعاتها ومصالحها.
قد لا يكون كلام باسيل إلى الماغازين خطيراً. فهذه المواقف ربما ستكون دافعا لإعادة قراءة بنود ورقة التفاهم بين الطرفين وفتح دائرة الحوار بشكل ايجابي للتأكد إن كانت لا تزال حاجة تستدعي التمسك بها أو الاقتناع أن ظروفها تبدلت والمسارعة إلى تقييم دورها للمرحلة المقبلة وإعادة هندستها بالاستناد الى التطورات المستجدة.
ما حصل منذ ليل الاحد الفائت سيكون مدخلا لنقاش هادئ حول حقيقة الاضرار التي لحقت بعلاقة التيار العوني - حزب الله، وحجم النزيف الحاصل خلال عام من عهد الرئيس عون. فحقيقة المقاربة والحرص يفرضان إعادة قراءة الاسس التي نشأت عليها الورقة الاستراتيجية الطابع ربطا بالتداعيات، في حال كان هناك رغبة حقيقية لدى الطرفين لضخ الحياة مجددا بالتفاهم. علما أن التكامل الوجودي صمد، لم يهتز، لم يتأثر بالتحديات والخضات والمطابات طيلة السنوات الماضية. فهو وفر غطاء للكثير من الانجازات والمواجهات من حرب تموز إلى الحاق الهزيمة بالارهاب، وصولا إلى انتخاب العماد عون رئيسا. لقد حصنت معمودية كنيسة مار مخايل لبنان بترسيخها معادلة وطنية أكثر من ترسيخها معادلة تلاقي طائفتين.
قال باسيل من الشياح العام الماضي خلال الاحتفال بالذكرى الـ11 لـ"ورقة مار مخايل" إن التفاهم هد حائط خطوط التماس"، بيد أن ما حصل على مدى هذا الاسبوع أعاد إلى الاذهان هواجس الحرب الاهلية وخطوط التماس! فهل تبدلت المعطيات؟