لا يمكن وصف العلاقة التي تجمع "التيار الوطني الحر" بتيار "المردة" بشيء من الأوصاف التقليدية. يجمعهما بالمبدأ حلف متين قائم عن قناعة متبادلة ولا سيما في ما يخصّ القضايا الاستراتيجية الكبيرة والوطنية، فلا مجال للشيطان بأن يدخل في تفاصيل العلاقة... ثمة تكامل يضرب به المثل. ولكن حين يأتي الحديث على ذكر المسائل اليومية الحياتية ومناقشتها، فقد يصير الحليفان في ضفتين متواجهتين.
وهنا، تلعب العلاقة الاستثنائية بين الجنرال ميشال عون والنائب سليمان فرنجية دوراً مهماً في تمرير المطبات والعراقيل التي تواجه هذا التفاهم. كل من يعرف الرجلين يجزم بأن ما يجمعهما فيه شيء من العلاقة الأبوية التي يصعب العثور عليها في منظومة العلاقات بين القوى اللبنانية. وهذا ما يساعد هذا التفاهم على تخطي الكثير من العقبات التي تعتريه.
إذاً، لم يكن يوماً ما يجمع "الجنرال" بـ"البيك" هو العائق أمام تطور العلاقة. لا بل يتردد في صفوف مؤيدي "البيك" الزغرتاوي أن الأخير غضّ الطرف عن الكثير من الممارسات غير المقبولة في سياق العلاقة، لا بل تنازل عن طموحات لمعت في رأسه يوماً ما وكان من الممكن أن تحمله إلى التوسع الحزبي داخل "محمية" جبل لبنان، لكنه عاد وتخلى عنها كرمى عيون "الجنرال".
يقول عارفوه إن الرجل أصر على تجميد نشاطه الحزبي في معظم أقضية جبل لبنان كي لا يُفهم على أنه محاولة للقضم من "الطبق البرتقالي"، على اعتبار أن القواعد مشتركة بين الفريقين، وذلك احتراماً لرئيس تكتل "التغيير والاصلاح"، من دون غيره، وكي لا يُفهم موقفه بشكل خاطىء، ولأنه حريص على العلاقة مع الرابية ويعمل على تحصينها.
لكن تجربة السنوات الماضية لم تكن سمناً وعسلاً بين الفريقين. لطالما اشتكى "البيك" من طريقة التعامل مع فريقه النيابي والوزاري، وكأنه تابع للفريق العوني سواء أكان في الحكومة أو في مجلس النواب. وآخر تلك النماذج كان عشية نزول العونيين إلى الشارع اعتراضاً على اصرار رئيس الحكومة المضي في مناقشة جدول الأعمال على رغم رفض العونيين.
يومها تمّ تبيلغ وزير "المردة" على طريقة "نفّذ ولا تعترض"، ومن دون تشاور مسبق، ما أثار انزعاج زغرتا التي سبق له أن اشتكت أمام "الجنرال" وفي أكثر من مناسبة من هذه الطريقة.
... الى أنّ انضمت اشكالية الفدرالية الى كومة التمايزات بين الحليفين بعدما قرر "الجنرال" استخدام هذه الورقة في سياق ضغطه على الآخرين، ما دفع سليمان فرنجية الى التدخل مباشرة للتصدي لهذه الأفكار.
بنظر المعنيين، فإنّ الحلف الاستراتيجي قائم بين الرجلين ولا شيء يهزه، ولكن لا يمكن لرئيس تيار "المردة" أن يستمع الى أفكار الفدرالية من دون ان يقول كلمته.
فهذا الطرح مناهض كلياً لمبادىء "المردة" وطروحاتها، ولا يمكن لها أن تسكت عنها، ولا سيما أن بعض المسيحيين تتدغدغ مشاعرهم سريعاً حين تعود بهم الذاكرة الى طروحات الفدرالية خلال فترة الحرب... ولذا كان لا بد من التصدي لها.
ومع ذلك، ثمة من يقول: شيء ما انكسر بين الفريقين ويصعب لحمه بسهولة، من دون أن يعني ذلك أنّ التفاهم الاستراتيجي معرض للتصدّع...
("لبنان 24")