بين زيارة الموفد السعودي نزار العلولا للبنان اليوم، ومعاودةُ اللجنة الوزارية اجتماعاتها اليوم أيضاً لاستكمال درسِ ما تبَقّى من بنود في مشروع موازنة 2018، في سياق التحضيرات لمؤتمرات روما وباريس وبروكسل، وفي الطريق إلى 6 آذار موعد إقفال باب الترشيح للانتخابات النيابية بوصفه تاريخاً لحسم صيغ التحالفات قبل المعركة المنتظرة في 6 أيار المقبل، تزدحم المحطات والمواعيد والقاسم بينها أن ما بعدها لن يكون كما قبلها.
وبات معروفاً أن الموفد السعودي الرفيع، وهو الأول على هذا المستوى منذ تشرين الثاني الماضي، يحمل رسالة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، ويلتقي الرؤساء الثلاثة وشخصيات رسمية وحزبية وسياسية، وقد يكون لقاؤه برئيس الحكومة سعد الحريري الأكثر رصداً لأسباب تتعلق بطبيعة الموقف السعودي ما تفاصيل المشهد اللبناني منذ استقالة الحريري في 4 تشرين الثاني 2017، ومن ثم تريثه فعودته عن الاستقالة في 5 كانون الأول 2017 بعد تعهد مكونات لحكومة التزام "النأي بالنفس" تجاه النزاعات في أي بلد عربي، وما إذا سيحمل الموفد دعوة رسمية للحريري لزيارة المملكة، وتالياً هل سيعلن رئيس الحكومة مرشحي "تيار المستقبل" للانتخابات قبل الزيارة – إن حصلت – أو بعدها؟
هكذا يمكن اعتبار الزيارة التي تبدأ اليوم وتستمر بضعة أيام بمثابة عودة للمملكة الى لبنان من البوابة العريضة، وخصوصاً أنها تأتي قبل ثلاثة استحقاقات كبرى، هي: مؤتمر روما لدعم الجيش اللبناني، مؤتمر سيدر واحد لدعم الاقتصاد اللبناني، والانتخابات النيابية في أيار المقبل، وبالنظر إلى مروحة اللقاءات التي سيجريها العلولا ستتحصل لديه صورة واضحة عن المشهد اللبناني لوضعه أمام القيادة السعودية لتحدد خطوتها التالية، خصوصاً وأن هناك اسئلة متزايدة عن الموقف السعودي من مؤتمرات الدعم ومن الانتخابات النيابية وما ستفرزه من واقع سياسي جديد بعد أقل من ثلاثة أشهر.
ويتردد أن المحادثات اللبنانية السعودية ستركز على اهتمام المملكة بتفعيل العلاقات السعودية - اللبنانية في المجالات على اختلافها، وحرصها على معرفة مدى الالتزام اللبناني بـ "النأي بالنفس" عن الصراعات العربية – العربية، وما تحقق على هذا الصعيد من سوريا إلى اليمن، بعد عودة الرئيس الحريري عن استقالته.
والواقع أن من حق المملكة أن تستكشف، وأن تسأل عن كيفية استخدام الدعم المالي الذي يمكن أن تمنحه للبنان خلال مؤتمرات الدعم، سواء أكان الدعم للجيش والأجهزة الأمنية أم للنازحين السوريين أم للاقتصاد الوطني. وأن تسأل تبعا عن مصير ما منحته سابقاً في مؤتمرات مشابهة، وهل صحيح أن كل ذلك – كبقية المنح والهبات – غرق في مزاريب الهدر والفساد، وأين هي الاصلاحات التي يتم الحديث عنها قبيل كل مؤتمر للدعم أو لقاء للمانحين، فيما لم ينفذ منها شيء بالرغم من أهميتها للوضعين المالي والاقتصادي للبنان. ومن حق المملكة أيضاً – بعد حصولها على الأجوبة – أن تقرر خطوتها التالية، دعماً أو تريثاً بانتظار تحقق الاصلاحات الموعودة.
وما يصح على المسألة الاقتصادية، يسري حكماً على المسألة السياسية لناحية مدى التزام لبنان سياسة النأي بالنفس، خصوصاً وأن هذا البند كان الرافعة التي بنيت عليها عودة الرئيس الحريري عن استقالته، والتزام لبنان بهذا البند الحساس والمركزي بالنسبة للسعودية، لا يعني تماهياً مع مصالحه الوطنية والعربية فحسب، بل تراه الرياض ضرورة لأمنها القومي وهي التي لم تكن يوماً إلا مع خير لبنان ومع وحدة وتلاقي اللبنانيين.
أيام سعودية في لبنان سيكون لها ما بعدها، وغدا لناظره قريب.