عندما تخرج المفردات المستخدَمة في لغة التخاطب الديبلوماسيّ بين الدول عن أصول اللياقة، على شاكلة ما فعله وزير الدفاع البريطانيّ غيفين ويليامسون لدى إعلانه اليوم الخميس عن أنّ بلاده تنتظر ردّ موسكو على طرد الديبلوماسيّين الروس من بريطانيا، وأنّه يرى أنّ ما ينبغي على روسيا فعله في أعقاب اتّهامها بالتورُّط في عمليّة تسميم العقيد السابق في الاستخبارات العسكريّة الروسيّة سيرغي سكريبال وابنته يوليا بغاز الأعصاب يوم الرابع من شهر آذار الجاري في مدينة سالزبوري هو أن "تتنحّى جانبًا وتخرس"، على حدّ تعبيره، فإنّ ذلك يؤشِّر بوضوحٍ إلى انعدام المكوِّن الأخلاقيّ الذي يُفترض أن يشكِّل أساسًا للعلاقات الدوليّة المتحضّرة، حتّى في أوقات الأزمات الكبرى وما ينجم عنها عادةً من تشنُّجٍ وتوتُّرٍ وحملاتٍ دعائيّةٍ مركَّزة، وهو المكوِّن الذي لم يكن متوفِّرًا اليوم في "أدبيّات" الوزير البريطانيّ بأيِّ شكلٍ من الأشكال.
على هذا الأساس، كان لا بدّ للمتحدّثة باسم وزارة الخارجيّة الروسيّة ماريا زاخاروفا من أن تعلِّق على تصريحات الوزير ويليامسون بشكلٍ مركَّزٍ أيضًا، ولا سيّما بعدما اعتبرَت أنّ كلامه يدلّ إلى حالة التوتُّر التي تخيِّم على لندن بسبب وجود ما تُخفيه فوق أراضيها، وذلك في إشارةٍ مباشِرةٍ إلى الموادّ السامّة التي رفض البريطانيّون خلال اليوميْن الماضييْن التجاوب مع طلب موسكو لشرح كيفيّة وصولها إلى بلادهم وظروف استخدامها فيها، بما يتنافى مع القواعد المعمول بها بموجب اتّفاقيّة حظر الأسلحة الكيميائيّة، الأمر الذي دفع السيّدة زاخاروفا إلى قول ما حرفيّته: "لدى لندن ما تُخفيه، الشركاء متوتِّرون"!
هذا الكلام، وإذا ما أضفنا إليه طبيعة الأسلوب المثير الذي استخدمته رئيسة الوزراء البريطانيّة تيريزا ماي لدى افتتاح موسم قضيّة العقيد سكريبال وابنته يوليا نهار الاثنين الماضي أمام أعضاء مجلس العموم في لندن، سرعان ما جاء في سياق تأكيدٍ عفويٍّ على ما كنّا قد أشرنا إليه نهار أوّل من أمس الثلاثاء عن أنّ الساعات المتبقيّة أمام انتهاء المهلة التي حدَّدتها بريطانيا لروسيا من أجل الكشف عن برنامجها الخاصّ بتطوير غاز الأعصاب من نوع "نوفيتشوك" لن تحمل معها إلى مدينة الضباب أيَّ نبرةٍ روسيّةٍ مختلفةٍ من شأنها أن تكون أهدأ أو أخفّ، تمامًا مثلما جاء في سياق تأكيدٍ مماثلٍ على الاعتقاد القائل منذ البداية بأنّ القضيّة برمّتها لا تعدو عن كونها أكثر أو أقلّ من "بروباغندا" غربيّةٍ تستهدف إرباك روسيا، بأسلوبٍ "جيمسبونديٍّ"، قبيْل توجُّه الناخبين الروس إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيسهم الجديد نهار الأحد المقبل.
ولعلّ ما يعزِّز هذا الاعتقاد هو أنّ السيّدة ماي، وعلى رغم إدراكها المسبَق بأنّ أسلوب تعاطيها مع روسيا لا يليق بما تستوجبه قواعد الاحترام المتبادَل بين الدول العظمى، بمعنى أنّها لم تكن تتوجَّه بالحديث إلى جزر الفوكلاند أو إلى جمهوريّة الموز، وإنّما إلى روسيا التي تمكَّنت على مدى السنوات الثمانية عشرة الماضية من استعادة مكانتها وهيبتها على الساحة الدوليّة من دون أيِّ منَّةٍ من أحد، فإنّها – أيْ السيّدة ماي – لم تتردَّد لدى انتهاء المهلة المحدَّدة البارحة في الإقدام على مغامرتها المتهوِّرة عن طريق اتّخاذٍ قرار طرد الديبلوماسيّين الروس من بريطانيا، علمًا أنّ لا أحد هناك يملك أيَّ دليلٍ قاطعٍ على تورُّطهم المزعوم في قضيّة التسميم أو حتّى في التخطيط لها.
علاوةً على ذلك، فإنّ مسارعةَ الولايات المتّحدة الأميركيّة وعددٍ من الدول الأوروبيّة إلى ركوب الموجة البريطانيّة، عزَّز بدوره الاعتقاد بوجود رغبةٍ غربيّةٍ مشترَكةٍ في شنِّ حملةٍ دعائيّةٍ ممنهَجةٍ ضدّ روسيا، ولا سيّما بعدما اعتبرت لندن وبرلين وباريس وواشنطن في بيانٍ مشترَكٍ صدر اليوم الخميس أنّ "مسؤوليّة روسيا هي التفسير الوحيد المعقول لتسميم العميل الروسيّ السابق سيرغي سكريبال في بريطانيا"، مطالِبةً موسكو بتقديم "كلّ المعلومات حول البرنامج الكيميائي نوفيتشوك، والردّ على كلّ الأسئلة المرتبطة بهذه القضية".. وحسبي أنّ هذا البيان إنْ دلّ إلى شيء، فهو يدلّ إلى أنّه موجَّهٌ إلى الرأي العامّ البريطانيّ والألمانيّ والفرنسيّ والأميركيّ أكثر بكثيرٍ ممّا هو موجَّهٌ إلى الرأي العامّ الروسيّ.. وحسبي أنّ كلمة السرّ هنا تكمن في فحوى المواقف التي عبَّر عنها الرئيس فلاديمير بوتين مؤخَّرًا بخصوص الإنجازات التي تمكَّنت المؤسّسة العسكريّة الروسيّة من تحقيقها في مجال تطوير قدراتها الدفاعيّة الاستراتيجيّة، برًّا وبحرًا وجوًّا، وهي الانجازات التي لم تقتصر تداعياتها لغاية الآن على إثار الغيظ فقط في أوساط الغرب الأميركيّ والأوروبيّ، بل أدّت إلى إثارة الرعب أيضًا.. وهذا هو البيت في القصيد.