في انتظار انعقاد القمّة الروسيّة – التركيّة – الإيرانيّة المقرَّرة غدًا الأربعاء في أنقرة وما سينعكس عنها من مؤشِّراتٍ بخصوص مدى الآفاق المتاحة للتوصُّل إلى التسوية السياسيّة المرجوَّة ذات الصلة بالملفّ السوريّ، بما من شأنه المساعدة على استقراء ملامح المستقبل في ضوء التطوُّرات الميدانيّة التي سُجِّلت لصالح القوّات النظاميّة خلال الأيّام القليلة الماضية، فإنّ الأنظار تتركّز في الوقت نفسه على الولايات المتّحدة الأميركيّة لمعرفة ما إذا كان الرئيس دونالد ترامب يعتزم الإقدام بالفعل على خطوة سحب الجنود الأميركيّين من أماكن تواجدهم في الأراضي السوريّة أم لا، وفقًا لما دلَّت إليه تصريحاته المفاجئة الأخيرة حول هذا الموضوع، الأمر الذي لا بدَّ من أن يجعل الترقُّب وحده سيَّد الموقف في غضون الساعات أو الأيّام المقبلة، ولا سيّما بعدما علَّمتنا تجارب الماضي مع الرئيس الأميركيّ الأشقر أنّ سلوكيّاته غالبًا ما ظلَّت ترتكز على عناصر الإثارة والتشويق والمفاجآت.
ومع الأخذ في الاعتبار مسبَقًا أنّ عمليّة البناء على فرضيّة سحب الجنود الأميركيّين من سوريا تبدو في هذه الأثناء بالغة الصعوبة والتعقيد، وخصوصًا في ظلّ استعار الحرب الديبلوماسيّة ما بين دول الارتصاف الأميركيّ – الأوروبيّ – الأطلسيّ وما بين روسيا على خلفيّة تداعيات قضيّة تسميم العقيد السابق في الاستخبارات الروسيّة سيرغي سكريبال وابنته يوليا بغاز الأعصاب في مدينة سالزبوري البريطانيّة يوم الرابع من شهر آذار الفائت، فإنّ المؤشِّرات على استحالة قيام واشنطن بالتنازل عن حصَّتها في الكعكة السوريّة لصالح غريمتها موسكو، في هذا التوقيت بالتحديد، ما لبثت أن ظهرت اليوم الثلاثاء بعدما نقلت شبكة "سي إن إن" الإخباريّة الأميركيّة عن مصادرَ عدّةٍ في كلٍّ من البيت الأبيض والبنتاغون معلوماتٍ مؤدّاها أنّ الولايات المتّحدة تعتزم إرسال المزيد من جنودها إلى شمال سوريا، تنفيذًا لخططٍ كانت قد وُضِعت قبل إعلان الرئيس ترامب الأخير بخصوص الانسحاب، وهي المعلومات التي يشي الإفصاح عنها على هذا النحو المبهَم بأنّ التباين في وجهات نظر مكوِّنات الإدارة الأميركيّة حيال العديد من الملفّات والقضايا الدوليّة الشائكة، بما فيها الملفّ السوريّ، لا يزال مستمرًّا، ناهيك عن أنّه بات يُنذر بالمزيد من الخلافات والانقسامات.
ولعلّ ما يعزِّز هذا الاعتقاد يتمثَّل في أنّ الشبكة الإخباريّة الأميركيّة، وعلى رغم إشارتها بصريح العبارة إلى أنّ تصريحات الرئيس ترامب حيَّرت الكثيرين في البنتاغون، وإعلانها عن أنّ مجلس الأمن القوميّ سيعقد اجتماعًا اليوم لمناقشة خطط الإدارة الأميركيّة بشأن محاربة تنظيم "داعش"، فإنّها أبقت مسألة مستقبل الجنود الأميركيّين في سوريا، سواءٌ من جهة انسحابهم أم من جهة تعزيزهم بأعدادٍ إضافيّةٍ، محاطةً بشيءٍ من الضبابيّة، الأمر الذي أفسح في المجال أمام المراقبين للعودة إلى التركيز على تسريباتٍ تحدَّثت مؤخَّرًا عن أنّ الرئيس ترامب استهدف من وراء الإفصاح عن رغبته في سحب جنوده من سوريا العمل على احتواء التدهور المتواصِل جرّاء تداعيات الحرب الديبلوماسيّة المذكورة مع روسيا، وذلك في إطار صفقةٍ تضمن التوصُّل إلى تسوية الكثير من المسائل الخلافيّة بين الجانبيْن على طول خارطة العالم وعرضها، وتحديدًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، علمًا أنّ التسريبات لم تتضمَّن أيَّ إشارةٍ إلى ملامح تلك الصفقة لا من قريبٍ ولا من بعيد.
وسط هذه الأجواء الملبَّدة والضبابيّة إذن، يستعدّ الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان لاستضافة القمّة الثلاثيّة التي ستجمعه غدًا في أنقرة مع نظيريْه الروسيّ فلاديمير بوتين والإيرانيّ حسن روحاني، سعيًا إلى ترسيخ أسس الارتصاف الإقليميّ القائم في ما بينهم، ولا سيّما بعدما أصبح في حُكم المؤكَّد أنّ آراء المراقبين متّفقةٌ بالإجماع على أنّ لا شيء اتّسم بالوضوح والشفافية والفاعليّة طيلة عُمر الأزمة السوريّة على مدى السنوات السبع الماضية أكثر من المساعي التي بذلتها الدول الثلاث مجتمعةً ومتكافلةً من أجل توفير المناخات الملائمة لتسوية هذه الأزمة، بدءًا من مفاوضات أستانا، مرورًا بمؤتمر الحوار الوطنيّ في سوتشي، ووصولًا إلى الآمال المعلَّقة على قمّة الغد، وهي المساعي التي لم تقتصر أصداؤها الإيجابيّة على التردُّد في المجالات العسكريّة وحدها وحسب، وإنّما في المجالات السياسيّة والاقتصاديّة أيضًا.. وحسبي أنّ البيت في القصيد هنا يتمثَّل في وجوب الإشارة إلى أنّ مواسم الربيع السوريّ ستكون وفيرةً هذا العام أكثرَ من أيِّ عامٍ مضى، بغضّ النظر عن الأجواء الملبَّدة والضبابيّة الآنفة الذكر، وسواءٌ بقي الجنود الأميركيّون في المناطق الشماليّة، ولو إلى حينٍ، أم قرّروا الرحيل بالفعل.. وإنّ غدًا لناظره قريبُ.