أن يبدي الرئيس نبيه بري امتعاضه من "مظاهر صرف النفوذ" من قبل مرشحين يملكون مواقع في الدولة او تربطهم علاقات بأجهزة رسمية ويستخدمون هذا النفوذ لاغراض انتخابية، وأن يتحدث رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع عن "توظيفات مشبوهة وزبائنيّة مفرطة" في الطريق إلى الانتخابات، وهما من هما في التركيبة السياسية والسلطوية، فهذا يعني أن في الأمر أكثر من إنّ واحدة. ماذا ترك رئيس المجلس والحكيم لغيرهما من المرشحين أو داعمي اللوائح، ولمن يبثّ هؤلاء شكواهم؟!
تتعدد الأبواب والمداخل التي يمكن للمراقب سلوكها في انتقاده العملية الانتخابية، القانون، النسبية المشوهة، الصوت التفضيلي، استغلال السلطة، حملات التشهير والشتم والتخوين، الوعود العريضة والخارجة عن إطار كل منطق أو استيعاب، الكلام عن توزيع الأموال؟؟ لكن مع كل ذلك إن مجرد الالتزام بالاستحقاقات الدستورية والعودة لخيارات الناس أمر مهم ويبنى عليه لما بعده، وإن كان لا يلغي الرقابة للتثبت من الالتزام بالقانون وبالتساوي أمامه من قبل المرشحين.
أين هيئة الإشراف؟
كلام بري وجعجع يستدعي تعليقاً من هيئة الإشراف على الانتخابات، وهي ربما ستفعل، لكنها أساساً لا تكفّ من التنبيه، تارة من تصاعد حدة الخطاب السياسي والإعلامي بين القوى السياسية والأجهزة الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة التي تعبر عن وجهات نظر القوى السياسية التابعة لها، وتارة أخرى من تجاوز الموجبات التي فرضها قانون الانتخاب لناحية الامتناع عن بث أو نشر كل ما يتضمن إثارة للنعرات الطائفية أو المذهبية أو العرقية! ناهيك عن أنها لا تملك صلاحيات تقريرية لملاحقة أو توقيف أو اتخاذ أي إجراء بحق أي جهة أو وسيلة تتجاوز القانون.
لكن عدم امتلاك "الهيئة" صلاحيات تنفيذية لا يلغي من أهمية رمزية وجودها، لتواكب هي وجهات دولية أخرى الاستحقاق الانتخابي العتيد. ذلك أن ثلاث جهات دولية، بحسب مصادر وزارة الداخلية، تقدمت بطلبات لدى الحكومة لمراقبة الانتخابات، هي الاتحاد الأوروبي والمعهد الديمقراطي الوطني (NDI)، وجامعة الدول العربية، إضافة إلى جهات محلية أخرى تقدمت بطلبات أيضاً لمراقبة الانتخابات، فالمجتمع الدولي يرى في نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها فرصة لتعزيز الديموقراطية في لبنان.
اليوم التالي
هذه النوع من الرقابة يمكن أن تسمى مجازاً رقابة مسبقة، أي أنها تسعى لتقويم قانون الانتخاب، والإصلاحات التي أدخلت عليه، وما يسبق العملية ويرافقها من ممارسات قد تؤثر على نزاهتها، لكن ماذا عن الرقابة اللاحقة؟
لأمر ما تغيّب أطراف عديدة عن خطابها الانتخابي، ما بعد اليوم الانتخابي، سواء أكانت النتيجة فوزاً أم خسارة. ثمة حاجة أو بمعنى أدق افتقرت برامج انتخابية كثيرة للتطرق إلى اليوم التالي بعد ظهور نتائج الصناديق، لناحية كيفية التعامل مع الفوز وترجمته في السلطة التشريعية وتشكيل الحكومة العتيدة، ماذا باستطاعة هذا الطرف الفائز أو ذاك أن يفعل وينجز سواء بمفرده على المستوى الأهلي المحلي أو على المستوى الوطني من خلال التحالفات، لناحية الخدمات، فرص العمل، الطبابة والضمان والتعليم، البيئة والسياحة، وفي قضايا من مثل النأي بالنفس وابعاد بلبنان عن صراعات الخارج وتعزيز علاقات لبنان بالعالم وتخفيض الدين ورفع مستوى علاقاته الاقتصادية مع الخارج وغيرها.
أما في حالة عدم الفوز، على الطرف المعني أن يعلن سلفاً قبوله الهزيمة والتحول نحو المعارضة البناءة لمراقبة أداء السلطة من خارج البرلمان ومراكمة العمل العام حتى موعد الاستحقاق الانتخابي المقبل.
الإنتخابات النيابية في مكان ما ترتبط أولاً بالسؤال المحوري ماذا سيفعل الفائز في اليوم التالي، وما الذي سيحمله أو سيتذكره من برنامجه ووعوده الانتخابية، هنا تكمن الأهمية، وهنا تبرز الحاجة للرقابة اللاحقة أيضاً.