عندما استبدل الشباب الأشاوس شعار "السما الزرقا" بـ"الخرزة الزرقا" إستغرب المستغربون وشمت الشمّاتون واستهزأ المستهزئون وضحك الضاحكون، ولكن عندما عرفوا السبب بطُل العجب، وأصبح الصيام جائزًا حتى في رجب.
عندما عصر شباب الشعارات فكرهم وطلع معهم شعار "الخرزة"، باعتبارها زرقاء فرحوا كثيرًا وهلّلوا وطبّلوا. راق الشعار كثيرًا للكبار واستهضموه، فكان الأمر: "مشوا فيه". رفعت اللافتات وعُلّقت على مفارق الطرقات واحتلت "الخرزة" الأمكنة ولم تحتل بالطبع القلوب... "العين تردّ"... و"عين الحاسد تُبلى بالعمى"... و"عين الحسود لا تسود"، وهي تعابيرغالبًا ما كنا نقرأها على الشاحنات والبوسطات. وهنا تنتفي فكرة "الإبداع"، لأن أصحاب هذه الشاحنات والبوسطات كانوا السباقين في إبعاد ضررعين الحاسد عنهم وتمنوا لها العمى.
عندما استلهم شباب "المستقبل" هذا الشعار ممن سبقهم من الذين يؤمنون بـ"صيبة العين" كانوا يفكّرون بالمستقبل، وكانوا يتوقعّون الأسوأ، وكانوا يعرفون أن بعضًا من "عباقرة" هذا الزمن ستكون لهم مواقف و"عنتيرات" و"نتعات" وصولات وجولات يُحسدون عليها أو لا يحسدون، وقد تصيبهم "عين الحاسد"، لذلك استبقوا الموقف لأنهم كانوا يدركون أن لا شيء يمكن أن يحميهم سوى "الخرزة الزرقا"، بإعتبار أن حججهم لن تكون مقنعة، لا في السياسة ولا حتى في "الفبركات" التي تفتقر إلى مهارة المفبركين عادة.
ولأنهم كانوا يعرفون إلى أين سيصل بهم المطاف احتاطوا للأمرمسبقًا خوفًا من المفاجآت ومخافة ألاّ يجدوا من يدافع عنهم لجأوا إلى هذه "الخرزة"، من دون أن يدركوا بالطبع أنه حتى بهذه "الخرزة" لن يتمكّنوا من لملمة ذيول ما يمكن أن ينتج عن كل تلك "العنتريات" التي "يتمرجل" بها من حشروا أنفسهم في الأمكنة الخطأ، فوجدوا أنفسهم في ساحة المعركة مجردّين من أي سلاح، وهو سلاح الموقف والحجّة والمنطق، فما كان عليهم سوى التفتيش عن أي شيء لإثبات بعضٍ من حضور كان غائبًا على مدى سنوات، ولم يجدوا وسيلة لذلك سوى "الفبركة"، معتقدين أن ذاكرة السامعين ضعيفة، فكانت "فبركاتهم" خبط عشواء، تمامًا كالغريق الذي بقدر ما يتخبط عشوائيًا يزداد غرقًا، خصوصًا أنهم لا يجدون من ينتشلهم من غرقهم سوى "البعبطة".
كنا نتمنى على الذين "سرقوا" شعارات "شوفيرية" البوسطات والشاحنات أن يفكروا في البدائل في حال لم تستطع "الخرزة الزرقا" الردّ عن مرشحيهم من "صيبات العين"، ما شالله، ولا تقيهم سهام الناس الذين أعتقدوا، إمّا خطأ وإمّا جهلًا، أن ذاكرتهم ضعيفة، وأنهم يستطيعون الضحك على ذقونهم والتشاطر عليهم طول الوقت.
ولأنهم لم يحتاطوا لمثل هكذا نتائج فوجئوا بردّة فعل الناس، وفوجئوا أكثر عندما أدركوا أن ألاعيبهم أصبحت مكشوفة ولم تعد تنطلي حيلهم على أحد، حتى على من ظنّوا أنهم من "جماعتهم".
ولأن الوقت لا يعود ينفع الغريق، الذي تصبح الثانية والدقيقة بالنسبة إليه دهرًا، نراهم مستمرين في مخططهم الفاشل، معتقدين أن الدهر قادر على إصلاح ما أفسده العطّار، وأن الإهمال يُعَّوض بتوجيه الإتهامات إلى الآخرين وبكلام "سوقي" ورخيص، وبالقفز من فوق السطوح و"العربشة" على أكتاف الشرفاء، والدعوسة على الأصابع.
بالفعل يا شباب صار بدّا أكتر من "خرزة زرقا".