يحتفل العالم اليوم، ومعه لبنان، بعيد العمال، بما يعنيه من رمزية تستحق التوقف عندها، ولو للحظات، إذ أن المجتمعات المتطورة والنامية على حدّ سواء تعتمد على جهد هؤلاء العمال، في مختلف الحقول والميادين، من أجل تأمين إستمرارية طبيعية لدورة الحياة الإقتصادية، على رغم الإجحاف الذي يلحق بهم، وهم الذين يُعتبرون الحلقة الأضعف في المجتمع، وهم الذين يجاهدون ويطالبون بالحصول على حقوقهم كاملة من دون منّة من أحد، وبالأخص أنهم يعتاشون من عرق جبينهم، وهم الذين يستحقون دون سواهم أن يكون لهم عيد يتذكرّون فيه ما يلحقهم من مظلومية على أيدي أصحاب العمل، الذين يفتشون عادة على ما يؤمن لهم مصالحهم.
وبعيدًا مما كانت تدعو إليه الشيوعية العالمية بكسر حلقة الطبقية وإعطاء العامل كامل حقوقه وجعله شريكًا في الإنتاج والربح والخسارة، فإن التضامن المجتمعي مع العامل في عيده أصبح أكثر من واجب، بل هو إلتزام بمعايير إخلاقية شاملة لكل شرائح المجتمع، فلم تعد معاني العيد تقتصر على الفئة المصنفة في خانة "العمال"، بل أصبحت بمفهومها العام شاملة لكل شرائح المجتمع، فنرى أرباب العمل يتشاركون الفرحة بالعيد مع عمالهم بعدما اصبح هذا العيد من بين الأعياد الوطنية في كل بلد يسعى إلى تكريس مبدأ المساوة بين شمال وجنوب، من حيث الحقوق والواجبات.
وتعود خلفية هذا اليوم إلى القرن التاسع عشر إلى اميركيا وكندا واستراليا. فقبل الاعلان عن هذا اليوم بسنوات، كانت شيكاغو في القرن التاسع عشر تخوض نزاعات عمالية لتخفيض ساعات العمل في هاميلتون، وبشكل خاص في الحركة التي تعرف بحركة الثمان ساعات.
وكانت بداية عيد العمال يوم 21 نيسان 1856 في أستراليا، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث طالب العمال في ولاية شيكاغو عام 1886 بتخفيض ساعات العمل اليومي إلى ثماني ساعات، وتكرر الطلب في ولاية كاليفورنيا. وفي تورونتو الكندية حضر زعيم العمال الأميركي بيتر ماكغواير احتفالا بعيد العمال، فنقل الفكرة وتم أول عيد للعمال في الولايات المتحدة الأمريكية تم الاحتفال به في 5 ايلول1882 في مدينة نيويورك. أثمر نضال العمال في كندا قانون الاتحاد التجاري الذي أعطى الصفة القانونية للعمال ووفر الحماية لنشاط الاتحاد عام 1872.
وفي يوم 1 ايار من عام 1886 نظم العمال في شيكاغو ومن ثم في تورنتو إضرابا عن العمل شارك فيه ما بين 350 و400 ألف عامل، يطالبون فيه بتحديد ساعات العمل تحت شعار "ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات نوم، ثماني ساعات فراغ للراحة والاستمتاع" ، الأمر الذي لم يَرق للسلطات وأصحاب المعامل خصوصا وأن الدعوة للإضراب حققت نجاحا جيدا وشلت الحركة الاقتصادية في المدينة، ففتحت الشرطة النار على المتظاهرين وقتلت عدداً منهم، ثم ألقى مجهول قنبلة في وسط تجمع للشرطة أدى إلى مقتل 11 شخصا بينهم 7 من رجال الشرطة واعتُقِلَ على إثر ذلك العديد من قادة العمال وحكم على 4 منهم بالإعدام، وعلى الآخرين بالسجن لفترات مُتفاوتة.
أما في لبنان، وفي هذه السنة بالذات، فوحدهم المرشحون إلى الإنتخابات النيابية غير معيّدين، لأن الوقت أصبح داهمًا، ولا وقت للراحة، إذ أن لكل دقيقة قيمتها التفضيلية، على رغم إلتفاتة الجميع إلى العمّال، وهم الناخبون المعّول عليهم، إذ أن معظم شعارات هؤلاء المرشحين مخصّصة لرفع الغبن عنهم والمطالبة بحقوقهم المهدورة، بعدما وصلت الحالة الإقتصادية إلى مستوياتها الدنيا من التراجع والتدهور.
اليوم يوم عمل عادّي بالنسبة إلى المرشحين، وغدًا الذي أصبح لناظره قريبًا، سيكون هناك متسع من الوقت للراحة والإحتفال، على أمل أن تحظى مطالب العمال بإهتمام "سعادة" النائب الآتي إلى الندوة البرلمانية على الحصان التفضيلي، وأن تُدرج في مشاريع القوانين المستقبلية، وألاّ يمحو كلام نهار السابع من أيار كلام ليل ما قبله.