تبدو حالة الواقع اللبناني الراهن كمن يدور في حلقة مفرغة. فالأزمات كدوامة لا تنتهي، وسط أفق مسدود في ظل انعدام مبادرات وسطحية بالمعالجات متعددة ومتشابكة، هي المشاكل التي تفرز هذا الوضع المأزوم، وسط تحديات سياسية ومعيشية وبيئية، على وقع حالة من عدم الاستقرار الأمني وخطر انفلات الشارع.
لقد أضحى لبنان بلداً متهالكاً على كافة الأصعدة. الفراغ في سدة الرئاسة أفضى الى حد التأقلم مع فكرة سير الدولة والمؤسسات من دون رأس يحفظ هيبة الدولة ويحافظ على النظام، ومجلس نواب مقفل. أما حكومته فأضحت عاجزة مسلوبة الارادة والانتاجية، أسيرة خرافة التوافق حول المسائل الكبرى داخل اطراف متنازعة.
في ظل هذا الواقع المزري، تسيطر حالة من الخواء السياسي الملفت وبروز رهانات دائمة على دور الخارج للخروج من المأزق، غير ان الانفراج الاقليمي قد لا يعول عليه في المدى المنظور ويستلزم وقتاً وخطوات. من هنا تسود مخاوف مشروعة من حالة تصعيد عامة قبيل طرح الحلول على الطاولة الاقليمية، هكذا حصل عشية مؤتمر الطائف وتكرر فيما بعد في اتفاق الدوحة، ما يجعل الساحة اللبنانية انعكاسا لتفاهمات اقليمية وليست منطلقا لارساء توازنات على مسرح الشرق الأوسط كما كان في السابق، في ظل ورشة المفاوضات القائمة في جملة عواصم دفعة واحدة: في مسقط وموسكو و طهران ولندن وحتى حاضرة الفاتيكان.
من هنا يبدو منطقياً، الهمس القائم بين الاوساط السياسية حول صيغة جديدة للحكم في لبنان لم يحن آوانها بعد، ولكنها قيد التداول بين عواصم القرار، كما تبدو الحدة المتبعة في الخطاب كما التشنج بالاداء السياسي منطقية ايضا بحكم العادة اللبنانية بالاتكال على التحالفات الخارجية في وجه شركاء الداخل في سبيل تسجيل مكاسب. فحقوق المسيحيين وحجم مشاركتهم داخل السلطة ليست منوطة بطموحات العماد ميشال عون ولكنها تعبرعن حالة انفعال داخل البيئة المسيحية امام هول التهجير والمجازر في دول الجوار، كما ان الثقل الشيعي، والذي يبدو متجاوزاً للشكل الطبيعي في لبنان ناتج عن تأثير ونفوذ "حزب الله" الاقليمي، هذا فضلا عن تحد من نوع آخر متعلق بانفتاح البيئة السنية في لبنان امام خيارات سياسية متعددة تقيها الانجراف نحو أوهام الخلافة، وتقذفها في أحضان مجموعات التكفير.
حتى اللحظة، المؤتمر التاسيسي أو العقد الجديد، مجرد فكرة تدور بالرؤوس الكبيرة وتنتظر المظلة الاقليمية ولم تصل الى مرحلة البحث الكامل المتكامل. فهي لم تجد من يجاهر بجدواها لحل الأزمة الشديدة الحاصلة بحكم توجسات القوى المحلية من المقولة الشهيرة "احفظ رأسك عند تبدل الممالك"، مع تسجيل انطباع عند بعض الاطراف السياسية مفاده عدم اصطلاح الاحوال العامة الا بتوزيع مغاير للحصص على مختلف المستويات واتباع توازنات مختلفة في المناصب والوظائف العامة.
عدم انزلاق لبنان في اتون الحروب الدائرة مرده قناعة القوى الاقليمية المتصارعة على رقعة النفوذ في الشرق الاوسط الى ضرورة الابقاء على هذا النسيج الفريد في الشرق، وهذا لا يعني بالمطلق رسم دور وظيفة مغايرين تماما للبنان عند ترسيم حدود المنطقة من جديد وفق صحافي مقرب من الادارة الاميركية عقب جولته الطويلة التي شملت استطلاعاً لرأي الادارة الاميركية حول اوضاع المنطقة، اذ وفق رأيه، لا تنفصل حالة المراوحة في لبنان عن مشهد اعادة رسم حدود الشرق الاوسط بعد زوال اشكال و حدود "سايكس بيكو".
لا تبدو الصورة واضحة حتى الساعة عند أصحاب القرار الاميركي سوى ما تم رصده من فرز مكونات مذهبية في العراق و سوريا. فهناك المكون السني والعلوي والشيعي والدرزي قد تفضي الى بروز كيانات وأشكال من الدول مختلفة عما عو موجود، لا تؤدي بالضرورة الى تقسيم جغرافي كامل ونشوء عواصم جديدة بقدر "فدرلة" المنطقة وجمعها وفرزها بما يتلائم مع مصالح الامم الكبرى. و يسجل هنا ان الأكراد فرضوا الحكم الذاتي في العراق وسيطروا على مناطق شاسعة في سوريا وانتصروا على "داعش" و دحروها، كما قضوا على حلم اردوغان العثماني عن طريق صناديق الاقتراع في تركيا.
(خاص "
لبنان 24")