ما حصل بالأمس في وزارة البيئة بيّن أن القائمين بالحراك المدني جديون وهم ماضون في تحركهم من أجل تحقيق أهدافهم، والذي تكون بدايته باستقالة وزير البيئة محمد المشنوق، وهي ظاهرة هي الأولى من نوعها، إذ لم يسجل في تاريخ أي حركة أن أقدم مواطنون على اقتحام مبنى حكومي.
وللقوطبة على سلمية الحراك الشعبي، الذي يعبًر عن نبض الشارع، سيقت اتهامات شتى ضد هذا الحراك تارة باتهام القائمين به بأنهم عملاء لبعض السفارات وطوراً بأن ثمة من يمّول هذا التحرك، مع ما يرافق ذلك من تحركات مشبوهة لبعض المندسين بهدف حرف التظاهرات عن أهدافها السلمية، وكأن ثمة من يحاول أن يمنع على اللبنانيين حتى الحلم بإمكانية التغيير.
وبينما كانت الأنظار تتجه إلى ساحة الشهداء لرصد ما ستتخذه الحركة الشعبية من خطوات بعد انقضاء مهلة الـ72 ساعة التي أعطيت للحكومة كان الحدث في مكان آخر، وبالمباشر هذه المرة، حيث لم يكتف المتظاهرون بالهتافات والشعارات، بل تحّولوا إلى خطوات عملية، وإن كان البعض يأخذ عليهم اقتحام مبانٍ حكومية. إلاّ أن ما قام به هؤلاء الشباب فاجأ الجميع وجعل المسؤولين في أي موقع يعيدون حساباتهم، وهم الذين كانوا يراهنون على خفوت هذه الحركة باعتبارها فشّة خلق ليس إلآ أو تنفيساً عن غضب، نتيجة حماسة جماعية.
إلاّ أن هذا التطور النوعي جعل الامور تنقلب ظهراً على عقب، وجعل المراقبين اكثر ترقباً لما سيحصل في الايام أو الساعات المقبلة، وباتوا يوجهون النصائح للمسؤولين بالتعاطي مع المطالب الشعبية بوعي وحكمة وايجابية، خصوصاً أنه ليس من بين هذه المطالب ما لا يطاول أغلبية اللبنانيين بلقمة عيشهم وصحتهم ومستقبلهم في وطن يريدون أن يكون فيه الجميع متساوين تحت القانون، الذي يحفظ حقوقهم بعيش كريم، بعيداً عن المحاصصة.
والانكى من ذلك أن جميع من أيّد هذا الحراك بات متهماً بأنه يسعى إلى تحقيق مكاسب شخصية على ظهر هذه الحركة، وكأن الذين يقفون إلى جانب الحق والمطالب المحقة آتون من عالم آخر، أو كأنهم من بيئة غير بيئتهم.
ولكن يبقى أن على منظمي هذا الحراك أن يكونوا أكثر وعياً لمنع حرف مطالبهم المحقة، وهم يعلمون أكثر من غيرهم أنهم مطوّقون من هذه الطبقة السياسية المتضررة من أي اصلاح والخائفة على مصالحها المشتركة، إلاَ أن هذا لا يعني انجرار الشباب المتحمسَ في مغامرة الفوضى، التي قد يكون بعض الخارج يستفيد من هذه الاجواء للدخول على الخربطة وتحقيق اهداف هي بعيدة كل البعد عن المطالب النظيفة والبريئة التي يطالب بها المتظاهرون.
فالمسؤولية اليوم كبيرة، وهي برسم الشباب المتظاهر الذي لا تنقصه الحماسة، ولكن تنقصه الخبرة والحنكة، إذ لا يكفي اليوم الاكتفاء بتحريك الشارع من دون تحديد افق للمستقبل.