كلّ قلمٍ ينزف حبراً بمشاعر صادقة، وقلم وسام رفيق عيد يخطّ الكلمات بصدقٍ ويُترجم ما في ذاته على ورق. هو ليس أديباً أو شاعراً فمن قال أنّ الكتابة هي حكراً على هؤلاء؟ هو محامٍ حاليّ وزميل سابق في مهنة البحث عن المتاعب، أراد أن يُجسّد من خلال كتابه "أسطرٌ من رحاب ذاتي...!!!" رحلته المثيرة مذ أن كان طفلاً حتى نشأته وصولاً الى لحظة الخلو مع النفس.. لحظة محاكمته العادلة أمام الله.
"أسطرٌ من رحاب ذاتي...!!!" ليس كتاباً عاديّاً يستهلّه الكاتب بالحديث عن شرور الدنيا وغدر ساكنيها لتظنّ أن التشاؤم يعتريه، فهو سرعان ما ينقلك الى لحظة تفاؤل ومحبة ووئام لتتغير نظرته ومعها نظرتك في إيجابيات الدنيا التي تعطيك دفعاً لتحقيق الطموح والأحلام رغم قساوة الزمن.
من باب الى آخر من أبواب الكتاب الإثنين والثلاثين تعيش متعة القراءة لحظة بلحظة، تشعر بمتعة التنقل من صفحة الى أخرى، بدءاً من طفولة "الأستاذ" في زمن الحرب وذكريات لعب "اللقيطة" و"السبع حجارة" وأغاني مايكل جاكسون التي كانت أقوى من القذائف، مروراً بالمناظر الأليمة التي سبّبتها الحرب ليستذكر معها القارئ تلك الأيام المريرة والقصف العشوائي الذي تضرر منه كلّ لبنانيّ.
حبّ لبنان يتجلّى في عروق "وسام"، هو الوطن الذي غادره قسراً من أجل تحصيله العلميّ في فرنسا وعاد إليه لدراسة الحقوق وليكون محامياً مميزاً، لم ينس المبادئ الوطنيّة التي تربّى عليها، يمتن لإبيه "أبو الهمم" وأمّه "ست الكلّ" وأخوته وولديه وأجداده ولمن أحبّها . يستعيد الكاتب الأربعيني الذكريات الفضفاضة في الكشّاف وخدمة العلم، و"تدرّجه" من "حرّية الكلمة" الى "قوس العدالة" .
لا ينسى المحامي قضيته الأولى "بيت جدّته" ونهفات الأخطاء في بداية طريق مهنة الدفاع عن الناس، تنساب الكلمات في أوراق سرد ذكريات حياته في كتاب، وتنتهي بنظرة أكثر إيجابية من مقدمة الكتاب فـ"الوفاء ما زال موجوداً" ويستعين بما قاله عميد الصحافة غسان تويني خاتماً: "لا يبقى لكم من كلّ ما تكتبونه في الصحف والمجلّات إلّا الذي تؤلّفونه في كتاب يجمع كلماتكم ويدوّن خواطركم"، داعياً كلّ امرئ كي يذهب في رحلة بعيدة ليدوّن أسطر من رحاب ذاته، مستعيداً شريط الذاكرة لما لذلك من أهميّة كي يُميّز الخيط الأبيض من الأسود ويحظى بفرصة التعبير عمّا يُخالج نفسه من أفكار وتجارب.