الذي يكسب رزقه بعرق جبينه ليس فقيراً، بل هو يسعى إلى تحسين وضعه الاجتماعي بكرامة، ومن دون أن يضطّر للوقوف على باب هذا الزعيم أو ذاك الاقطاعي، من أجل إعالة أولاده أو تأمين وظيفة، في زمن لا مكان فيه للكفاءة، لأن "الواسطة" هي الأساس، مع ما تعنيه هذه "الواسطة" من تبعية وذوبان الذات في الجماعة، فيصبح اسمه "هيدا من جماعتنا".
الذي يطالب بحقه ليس فقيراً، لأنه أقدم حيث تخلّف الآخرون الذين يُصنفون في خانة الاتكالية والرضوخ للواقع، مهما كان هذا الواقع قاسياً وموجعاً، وفيه الكثير من الظلم واللاعدالة الاجتماعية.
الذي يرفع شعار التغيير ليس فقيرأً، لأنه يريد لهذا الواقع أن يكون أفضل مما هو عليه، ويفتش عن كل السبل التي تجعل منه متطابقاً مع أحلامه وتطلعاته ورؤاه.
الذي قرر أن ينزل إلى الشارع رافعاً صوته ليس فقيراً، لأنه يعرف أن ما يقوم به هو تعبير حضاري عما يؤمن به لانتشال البلاد من حال الهريان المزري، الذي أوصلته إليه هذه الطبقة الحاكمة منذ عقود.
الذي يتحدى بصدره ويديه العاريتين الهراوات ليس فقيراً، لأنه يدرك أن الزمن ليس زمن الخانعين والقابعين في الزوايا وعلى هامش الحياة.
الذي قرر أن يتظاهر للمطالبة بالحدّ الأدنى من حقوقه ليس فقيراً، لأنه واحد من الآف الذين كانوا يُعرفون بالطبقة المتوسطة، التي غيّبتها الممارسات الخاطئة في حقّهم وفي حقّ الوطن، فباتوا طبقة مهمّشة لصالح قلّة استفادت من استثنائية الظروف.
الذي ثار على الظلم ليس فقيراً، لأنه اختبر مفاعيل هذا الظلم ونتائجه في كل مفاصل حياته العامة والخاصة.
الذي يتطلع إلى بلد لا تكون قوانينه مستباحة ليس فقيراً، لأنه يؤمن بأن القانون هو فوق الأشخاص، وأن الجميع أمامه متساوون في الحقوق والواجبات.
الذي يحلم بأن يرى بلده نظيفاً من الفاسدين والمفسدين ليس فقيراً، لأن هذا الحلم حقّ طبيعي له وللاجيال الطالعة.
الذي يفتش عن بيئة نظيفة ليس فقيراً، لأنه يعتبر ذلك من أبسط مقومات العيش في بلد تُحترم فيه الحياة، وما سُخّر فيها لخدمة الانسان.
الذي يطالب بلقمة غير مغمسّة بالذّل والقهر ليس فقيراً، لأنه يرى في ما يطالب به تعميماً للعدالة الاجتماعية.
فزمن الثورات الطبقية قد ولّى لتحل مكانه ثورة على الفساد والواقع الذي لم يعد يتناسب مع طموحات الجيل الجديد، جيل التغيير الآتي.