يحتار المواطن كيف يبدأ أسبوعه، وهو في الأساس يعيش في حيرة دائمة وسط كمّ من الأزمات، لها أول وليس لها آخر، بدءاً من أزمة النفايات التي لم يستطع أحد حتى هذه اللحظة ايجاد حلّ لها، ولو مؤقت، إلى مشكلة هجرة اللبنانيين بطريقة غير شرعية إلى ديار الله الواسعة، إلى الهمّ المعيشي وغياب الاهتمام الرسمي، إلى الازمة الحكومية التي لا يجمع بين مكوناتها سوى النكد والمناكفات وقد أصبحت في حال يرثى لها.
ولعل الكلام السياسي الذي خُتم به الأسبوع الماضي بين تيار "المستقبل" و "حزب الله" اسطع دليل إلى أن ما جمعهما إلى طاولتي مجلس الوزراء والحوار الثنائي غير قائم على أسس ثابتة، وإن كان منطلق الأولى ربط نزاع، والثانية نزع فتيل فتنة سنية ـ شيعية.
وعلى رغم الكلام الكثير الذي نسمعه من حين إلى آخر عن ضرورة تفعيل عمل مجلس الوزراء، باعتباره المؤسسة الوحيدة التي لا تزال قادرة على الإمساك بورقة الاستقرار السياسي، مع ما يستتبعه من استقرار أمني واستقرار اقتصادي مفترض تأمينه، ولو نظرياً، لا يزال الكلام الذي يصدر من هنا وهناك، وكان آخره من قصر الاونيسكو على لسان وزير الداخلية نهاد المشنوق وقد جاءه الردّ بالمباشر على لسان الأمين العام لـ "حزب الله" بالمباشر أيضاً، ما يدعو إلى التوقف عنده مطولاً.
فإذا كان كلام المشنوق نابعاً من تجربة شخصية له من خلال احتكاكه شبه اليومي مع أكثر من مكوّن من "حزب الله"، سواء من خلال موقعه الرسمي بصفته المسؤول الأول عن أمن لبنان الداخلي، أوعبر تمثيله لتيار "المستقبل" في حواره مع الحزب، فهذا يدّل إلى الشرخ العميق بين المكونين الأساسيين في البلاد، إذ أن لكل منهما من يؤيده في توجهاته على صعيد المكونات السياسية الأخرى، كـ "التيار الوطني الحر" وحزب "القوات اللبنانية"، كممثلين رئيسيين في المقلب الآخر.
وهذا الشرخ بين هذين المكونين، وهما الأساس في استمرار عمل الحكومة وفي إبعاد البلاد عن أجواء الفتنة الداخلية وابقائها في منأى عن الأزمة السورية، ليس جديدأ، وهو يعلو حيناً ويخفت أحياناً، لكنه لم يصل مرّة واحدة إلى حدّ القطيعة المطلقة، أو إلى أبغض الحلال. وهذا الامر إن دل إلى شيء فإلى أن أمور لبنان الداخلية لا تزال ممسوكة بخيوط اقليمية لا تزال متينة، وإن بدت في بعض الاحيان واهية.
وكما كانت عليه الحال في فترات التشابك السابقة ستبقى قواعد اللعبة مضبوطة إلى حدود معينة، من دون أن يعني ذلك ترجمة عملية في انتاجية ما على مستوى الحكومة وطاولة الحوار الثنائي، وكذلك على مستوى طاولة الحوار الشاملة، مما يؤشر إلى استمرار المراوحة في انتظار ما ستؤول إليه أوضاع المعركة القائمة في سوريا.
وإلى ذلك الحين يبقى المواطن متروكاً لاقداره يتخبط في حيرته وفي أزماته، ويفتش عن ملجأ له ولو في المجهول البعيد هرباً من واقع مرير لم يعد يستطيع تحمّله.