في مسلسل البيانات والخطابات النارية المتبادلة بين "حزب الله" و"المستقبل" يُسجل لوزير الداخلية نهاد المشنوق أنه اطلق الطلقة الأولى في المواجهة الجديدة من على منبر الذكرى الثالثة للشهيد اللواء وسام الحسن، فاتحاً النار في أكثر من اتجاه وعلى أكثر من مستوى من الملف الأمني الى الحكومي وصولاً الى آلية العمل في مجلس الوزراء، وما بين "التيار الأزرق" وحلفائه من جهة وإداء قوى الثامن من آذار و"حزب الله" بشكل خاص.
وفي الوقت الذي رد فيه الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله على الوزير المشنوق بلهجة ولغة وعبارات لم يعتد عليها متتبعوه، مضافة الى ضربتين على الطاولة، فهم المراقبون أن ما قام به المشنوق كان موجعاً ومؤثراً، بدليل انه وفي حال العكس لاقتصر الرد على البيان المقتضب لزميله وزير الصناعة حسين الحاج حسن الذي عاجله به بعد ساعات قليلة، داعياً الى نشر محاضر جلسات الحوار التي تناولت ملف الخطط الأمنية في البقاع والحوار والعمل الحكومي ليثبت انفصاماً في المواقف وما يقال في الداخل غيره في الخارج.
ويقول متتبعو الأزمة إن "السيد نصرالله إضطر الى الرد بعدما تلمس لهجة غير طبيعية فوق منسوب المواقف المعتادة في الفترة الأخيرة، بما فيها من تلميح لم يتعد التصريح العلني والواضح من قبل، وصولاً الى التهديد بنسف التركيبة الضامنة للحكم والأمن في البلاد من الحكومة، آخر المؤسسات الدستورية الموجودة في غياب الرئيس وشلل المجلس النيابي واهتراء الإدارة، الى حوار عين التينة المكلف بتهدئة الشارعين السني والشيعي وإدارة الخلاف سياسيا للحؤول دون الوصول الى شارع اي منهما".
والملفت بنظر المراقبين الذين يتابعون التطورات الداخلية أن موجة التصريحات أخمدت بسرعة قياسية، وما أن حل يوم الإثنين حتى ساد السكون في اروقة الطرفين. فما الذي حصل؟ ومن لجم الموقف؟
بالتأكيد لم يكن أحد ينتظر ما حصل على الإطلاق على رغم كل الأجواء المشحونة التي زاد منها تصعيد "حزب الله" للهجمة على المملكة العربية السعودية على خلفية أحداث "منى" بعد اليمن، وما يجري في سوريا من طحشة عسكرية يظللها الطيران الروسي بأوسع غطاء جوي لم تشهده المنطقة منذ حرب العام 1973.
وعليه، يقول المراقبون إن من لجم الموقف لم يكن شبحاً على الإطلاق بل أشخاص أدركوا أن التوقيت في فتح المعركة كان خاطئاً في شكله ومضمونه وفي كل ما يحيط بالساحة اللبنانية. فهذه الساحة لا تحتمل ما يمكن أن تستوعبه الساحات العربية الأخرى من ضغوط وتحمل ما يجري في اليمن وسوريا لأسابيع وأشهر خلت يحتمل المزيد من التصعيد طالما انه ما زال بعيداً من لبنان ولم تطاله شظاياه.
وهو ما أدركه الرئيس سعد الحريري الذي فتح خطوط التواصل مع قيادات حزبية وسياسية وتوجها باتصال مع راعي الحوار الرئيس نبيه بري الممسك بمفاتيحه للغرف الثنائية او للطاولة المستديرة، داعياً الى لجم الموقف ومعتبراً أن ما حصل لا يعدو كونه "شطحة" اعتدناها في مثل هذه المناسبات، التي تختلط فيها العاطفة بالموقف السياسي فينبت التصعيد ولو لفترة وجيزة قبل ان تهدأ النفوس.
والى هذه الظروف التي ولدها الخطاب الناري توقفت المراجع المعنية امام تجاوب السيد نصرالله مع الرسالة السريعة التي بلغته من صوب عين التينة فعلق موقفه من مقاطعة الحكومة وطاولة الحوار بمناقشات لا بد منها في قيادة الحزب فارجأ القرار النهائي الى ان تهدأ النفوس وتقول الوساطات كلمتها الحميدة.
لكن ما توقف عنده المراقبون هو التزام الجميع من مسؤولي "المستقبل" و"حزب الله" بسقف المواقف الهادئة ولم يخرج منهم عن الصف سوى وزير العدل أشرف ريفي، الذي سارع في اليوم التالي على خطاب نصرالله الى مساندة غريمه اللدود نهاد المشنوق، ليس لدعم موقفه انما في السباق الى قلوب الجماهير المتعطشة الى الخطاب الناري الذي يكوي الغرائز ويستنفدها الى حين.
وما كان لافتاً أن "حزب الله" عمم على الحلفاء والأصدقاء وأكثريتهم من الشخصيات التي تتقن لغة الضاد، بالاحتجاب عنها ولم تستضفهم الشاشات فغابت مظاهر التصعيد وافتقدت المواقف الداعمة لتحل محلها مشاهد الحراك المدني وما يجري في اليمن وسوريا فهدات الساحة الداخلية مجدداً.
على كل حال يختم المراقبون بالقول: ان الجمر تحت الرماد والرهان على بعض الشاشات المنغمسة برعاية مظاهر الحراك لتعمم على مشاهديها مظاهر الحراك المدني لعله ينسيهم مظاهر إثارة الفتنة المذهبية الى ان يقضي الله امراً كان مفعولاً. ولكن الى متى؟
(خاص "لبنان24")