لا ينصّ الدستور على ما اصطُلح على تسميته بـ "تشريع الضرورة"، وهي بدعة مستوحاة من القاموس اللبناني الحافل بأخرى مماثلة. وفي ظل الفراغ الرئاسي الذي بلغ شهره الرابع بعد العام ، يعيش البرلمان، كما سائر المؤسسات الدستورية، حالة استثنائية أدّت الى تعطيل العمل التشريعي وتكدس عشرات القوانين والمشاريع على أبواب الهيئة العامة، أصبحت كلها ملحّة بفعل مرور الزمن، وفي ظل التردي الإقتصادي الحاصل.
أليست سلسلة الرتب والرواتب ضرورية بعد مرور أكثر من سنتين على إحالتها إلى المجلس النيابي، وفي ظل الوضع المعيشي المأزوم؟ أليس إقرار البطاقة الصحية وقانون ضمان الشيخوخة أمراً أكثر من ضروري؟ أليس ترميم المواد المبطلة من قانون الإيجارات ملحاً، في ظل تفاقم الصراع بين المالك والمستأجر، وغيرها العشرات من المشاريع الحيوية والإنمائية؟ من يصنف القوانين في خانة الضروري وغير الضروري، ووفق أي معيار، وهل ما يُصنف ضرورياً بالنسبة إلى بعض الكتل السياسية، يخضع للتصنيف نفسه بالنسبة إلى الأخرى؟
وإذا كان النائب أو المشرع يعتزل مهنته الرئيسية، ويقتصر دوره في مكان عمله، أي في المجلس النيابي، على إثبات وجوده ، إما بحضور جلسات لا تعقد لإنتخاب رئيس، بسبب مقاطعة زملاء له، وإما بالمشاركة في لجان تنتج قوانين على الطريقة السلحفاتية ولا تبصر النور في نهاية مسارها الطويل، بسبب عدم عقد جلسات تشريعية. فما الجدوى من العمل البرلماني، ومتى يمارس نواب الأمة أدوارهم التشريعية والإنتخابية والرقابية؟
وإذا كان النواب يتبادلون أدوار التعطيل منذ العام 2005 وحتى اليوم، تحت حجج وعناوين مختلفة ،هل يجرؤ أحدهم على تقديم استقالته ، طالما أنّه لا يقوم بدوره سواء قبل التمديد أو بعده؟ وما جدوى المجالس المشلولة، نيابية كانت أم وزارية؟ وأين النواب من مطالب وحقوق ناخبيهم؟ وإلى متى ستحميهم الإجراءات والمواكب من غضب الشارع؟
اليوم يحاول رئيس المجلس نبيه بري التقاط اللحظة، وإقناع الكتل بتأمين نصاب جلسة تشريعية، تُقّر فيها على الأقل قروض البنك الدولي قبل فوات الأوان، هذه القروض تمول مشاريع حيوية، أبرزها سدّ بسري ومشاريع للصرف الصحي وشبكات المياه. وبصرف النظر عما إذا كان البنك الدولي هدّد لبنان بوقف القروض، وبشطبه من لائحة الدول التي ستشملها المساعدات، أم لم يهدده، فهناك واقع عبّر عنه المدير الإقليمي للبنك الدولي فريد بلحاج، ومفاده أنّ هذه القروض محكومة بمهل، وعدم إقرارها في الوقت المحدد يستوجب إزالتها، حيث أنتهت صلاحية الإستفادة منها في تموز الماضي، وقد طلب لبنان آنذاك تمديد المهلة، فوافق البنك الدولي على تمديدها لغاية 31 كانون الأول من العام الحالي، وبالتالي فإن عدم إقرارها يعرض لبنان لخسارة مادية، فضلاً عن خسارة ثقة المؤسسات الدولية .
التحضيرات للجلسة التشريعية مع بدء العقد العادي، تتوج الثلاثاء المقبل في اجتماع هيئة مكتب المجلس النيابي في عين التينة. مواقف الكتل أصبحت معروفة: "القوات اللبنانية" تشترط إدراج قانون الإنتخابات على رأس جدول أعمال أي جلسة تشريعية وترحيل هذا البند إلى آخر جدول الأعمال لن يكون مقبولاً من قبلها كما أكد النائب جورج عدوان لـ "
لبنان 24"، فيما حزب الكتائب لن يشارك في أي عمل تشريعي، ويعتبر المجلس هيئة ناخبة لا يحقّ له القيام بالتشريع قبل انتخاب رئيس للجمهورية، وآخرون يشترطون إدراج قانون استعادة الجنسية ومنهم تكتل "التغيير والإصلاح"، وإن خفّ حماسهم حيال هذا البند، بعدما تبيّن أنّ هذا الأمر لا يصبّ ديمغرافياً في خدمة المكون المسيحي، بحسب مصدر نيابي. أما الكتل الأخرى فتشارك في التشريع الضروري نظراً إلى إطالة أمد الفراغ الرئاسي.
ومن هنا يسعى بعض العقلاء في هذا البلد، على حدّ توصيف مصدر نيابي، للإنتقال من "تشريع الضرورة" إلى "توافق الضرورة"، لتمرير مرحلة قد تكون الأصعب في تاريخ وطن حفل بأزماته الداخلية منها والمستوردة من خارج الحدود والأقاليم.
(خاص "
لبنان 24")