الناظر إلى المشكلات الداخلية التي تتصدى لها القوى السياسية هذه الأيام يخرج بإنطباع مفاده أن هذه القوى العاجزة عن اتخاذ القرار في شأن الإستحقاقات الوطنية بمعزل عن الإرادات الخارجية، إنما تتلهى، بل تحاول إشغال نفسها بهذه المشكلات لإخفاء عجزها الذي يرقى إلى مستوى الفضيحة، مع أنها تعجز أيضاً عن ايجاد الحلول حتى لهذه المشكلات الداخلية.
ولذلك فإن فريقاً من السياسيين يرى أن لا أمل في توصل هذه القوى قريباً إلى اتفاق على انتخاب رئيس جمهورية جديد. ففريق 8 آذار بدأ يتحدث عن أن حلفاء فريق 14 آذار الاقليميين باتوا عاجزين عن التأثير في انتخابات رئاسة الجمهورية وفرض انتخاب رئيس جمهورية جديد. وفي المقابل فإن فريق 14 آذار يتحدث بالمنطق نفسه معكوساً ويراهن على فشل التدخل الروسي في التوصل إلى حل للأزمة السورية وفق تصور موسكو وعلى نجاح حلفائه في فرض تنحي الرئيس السوري بشار الأسد.
ويقول قطب مشارك في الحوار لـ"
لبنان 24" ان المتحاورين لن يتوصلوا قريباً إلى اتفاق على انتخاب رئيس جمهورية جديد، لأن العقبات والعقد التي تعترض انجاز هذا الاستحقاق لم تُذلل بعد على رغم التوافقات التي توصلوا اليها حتى الآن في شأن مجموعة من المواصفات الواجب توافرها بالرئيس الجديد، وسيتابعون البحث في ما تبقى من هذه المواصفات في جلساتهم المقبلة.
ومن أبرز هذه العقبات تمسك رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون بترشيحه لرئاسة الجمهورية في الوقت الذي لا يلقى التأييد النيابي الكافي للفوز، وهو ما دفع رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع اخيراً الى الإعلان انه متمسك بترشيحه طالما انه لم يتم الاتفاق على مرشح توافقي، وكأن أزمة الاستحقاق الرئاسي عادت الى المربع الأول.
ويتوقع هذا القطب ان يزامن المتحاورون بحثهم في بند رئاسة الجمهورية مع البحث في مشروع قانون الانتخابات النيابية الجديد علّهم يحققون فيه إختراقاً يرضي عون ويعطيه مكاسب بحجم يدفعه الى التخلي عن ترشيحه والانخراط مع الآخرين في التوافق على مرشح رئاسي آخر غيره وانجاز الاستحقاق. فعون يطرح اعتماد النسبية في قانون الانتخاب على اساس أن يكون لبنان 15 دائرة انتخابية، أي بزيادة دائرتين عن المشروع الذي أقرته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، الذي يرجح أن يعود الجميع إليه، حسب القطب نفسه، نتيجة التباعد الكبير بين مشاريعهم. فمشروع فريق 14 آذار يقضي بإعتماد النظامين الاكثري والنسبي معا بحيث ينتخب 60 نائبا على اساس النسبية و68 على اساس النظام الاكثري. أما فريق 8 آذار فيقترح مشروعاً يقضي بإعتماد لبنان دائرة انتخابية او خمسة دوائر كبرى هي المحافظات الخمس التاريخية على أساس النظام النسبي، واذا تعذر ذلك فاعتماد مشروع رئيس مجلس النواب نبيه بري القاضي بإنتخاب نصف اعضاء المجلس النيابي (اي 64 نائبا) على أساس النظام النسبي والنصف الآخر على اساس النظام الاكثري، بحيث يختبر لبنان هذا النظام فإذا نجح يمكن عندها الانتقال الى ما هو اوسع، لأن الغاية الاساسية من اعتماد النسبية هي تحقيق "عدالة التمثيل وشموليته" لكل فئات الشعب اللبناني والاحزاب والقوى السياسية في مجلس النواب، وهو ما ينادي به "اتفاق الطائف" الذي لم ينفذ حتى الآن بأمانة لهذه الجهة وذلك منذ "دسترة" نصوصه عام 1990 وحتى اليوم، اذ جاءت كل القوانين الانتخابية مخالفة له حتى اليوم، وكانت المخالفة الموضوفة العودة إلى اعتماد القانون الذي اعتمد عام 1960 النافذ حالياً، حيث انتخب مجلس النواب الحالي عام 2009 على أساسه، وهو يعتمد النظام الأكثري والأقضية فيه لا المحافظات هي دوائر انتخابية، في حين أن "إتفاق الطائف" ينصّ على أن "الدائرة الانتخابية هي المحافظة بعد اعادة النظر في التقسيم الإداري".
ويقول القطب نفسه ان فريقاً من المتحاورين يرى أن الاتفاق على قانون انتخابي جديد على طاولة الحوار من شأنه أن يعجل الخطى في اتجاه تقصير ولاية المجلس الحالي الممددة وانتخاب مجلس جديد يشرع بعد تسلمه مهماته في انتخاب رئيس جمهورية جديد، في حين أن فريقاً آخر منهم يرى العكس، أي أن الاتفاق على انتخاب رئيس الجمهورية الجديد يجب أن يكون الأولوية لأنه يسهّل التوافق بين الجميع على قانون الإنتخاب الجديد.
(خاص "
لبنان 24")