على رغم كل الجهود الجبّارة التي بُذلت منذ أن أُقرّت خطة لجنة شهيب التقنية للنفايات في مجلس الوزراء ووافق عليها أقطاب هيئة الحوار الوطني في ثاني اجتماع لها في ساحة النجمة، إلاّ أنها انتهت بلحظة من اللحظات ووضعت على الرف بمجرد أن أعلن الوزير السابق والنائب طلال ارسلان، ومن خلفه أهالي الشويفات ومشايخها وعائلاتها، رفضهم لمطمر الـ "كوستابرافا" لتعود الى المربع الأول.
وكأن الخطة ولدت ميتة فصُرف النظر عنها بكل المراحل التي قطعتها وتم اللجؤ إلى بدائلها المطروحة منذ اللحظة الأولى، إما بالتصدير إلى الخارج أو التسفير إلى الأراضي السورية، علماً أن لكل من الحليّن كلفته المادية والسياسية، عدا عن توفير الشروط التقنية التي تسمح باللجؤ إلى واحدة من هاتين الخطوتين.
اعتقد البعض أن "المير طلال" هو من عطّل الخطة وأنهاها بمجرد رفضه إحياء المطمر الواقع على كتف الشويفات ومنفذها البحري، فيما كل الحقائق تقول إنه كان من ضحاياها وبدلاً من ضائع، وهو لا يتحمل مسؤولية أكبر مما يحتمل في التوقيت والشكل والمضمون. وتحديداً فإن ما أصابه جاء على إثر المحاولات الفاشلة التي جرت لزج المسيحيين في الملف على أساس الحاجة إلى "مطمر مسيحي" لنفايات المسيحيين ينضم الى "مطمر السنّة" في سرار العكارية و"المطمرالشيعي" في البقاع او الجنوب، وأن العقدة ما قبل الأخيرة كانت في كيفية تسويق نفايات كسروان والمتن الشمالي التي لا تتسع لها "المطامر السنية و الشيعية".
وتقول الحقائق الأخرى التي أظهرتها حلقات من مسلسل البحث عن المطامر إن هناك قوة قاهرة أرادت للملف هذه النهاية الحتمية ونقطة على السطر. لماذا وكيف؟
كانت كل الجهود منصّبة للبحث عن مطمر بقاعي وتعهد "حزب الله" البحث عنه فاقترح بداية مطمراً فوق مياه عائمة في منطقة تقع غربي بلدة علي النهري فُرفض وتمّ اقتراح البدائل في خراج عنجر وشمال معبر المصنع في منطقة غنية بالمياه، وهو أقرب إلى المنطقة العازلة بين الأراضي اللبنانية والسورية وأغزرها، كما قيل في حينه، نبع مياه شمسين ومن بعده في منطقة عين كفرزبد الغنية بالينابيع.
على هذه الخلفيات انتظر الرئيس سلام ومعه الوزير شهيب وأعضاء اللجنة التقنية أسابيع ليقول لهم "حزب الله" كلمته في اختيار المطمر، وهو كان قد سحب بشكل مسبق وفي وقت مبكر أي بحث في اختيار مطمر في المنطقة الصخرية، والتي تمتد من جرود عرسال والقاع شمالاً، ومنها في اتجاه الجرود الجنوبية على طول السلسلة الشرقية الصالحة لمثل هذه المطامر، باعتبارها مناطق عسكرية يسيطر عليها مقاتلو الحزب في مواجهة ما كان يعرف بمجموعات سورية كانت تتمركز في القلمون السوري.
أضف إلى ذلك، فقد عبر الكثير من الوقت، قبل القول أن الحزب فشل في اختيار مطمر بقاعي بفعل رفض الأهالي لمثل هذا الإقتراح، وأنه لم يستطع أن يمون عليهم فتعهد الرئيس بري أمام إصرار الرئيس سلام بأنه سيوفر المطمر، وإن لم يكن في البقاع فقد يكون في الجنوب، فكثُر الحديث عن منطقة الكفور الجنوبية وآخر في قضاء النبطية، إلى أن انتهت العملية بعد طول انتظار باقتراح إعادة فتح مكب "الكوستابرافا" القديم مكاناً مقترحاً ليكون المطمر المنتظر.
لم يطل الوقت لتنسحب التجارب السابقة على المنطقة فتكرر السيناريو ووقف "حزب الأهالي" يقوده رؤساء البلديات والمخاتير، على غرار تجارب عكار والبقاع، عائقاً أمام التجربة وانتفضوا رافضين إقامة مطمر على أبواب الشواطىء الجنوبية لبيروت، التي ما زالت تعتبر نظيفة بيئياً. وتجاهل الرافضون صيغاً عدة طُرحت. وعلى رغم أن الوعد ببناء سنسول بحري لحماية المياه من النفايات ورواسبها بعد ضمها الى ردميات الضاحية الجنوبية، التي نقلت على اثر حرب تموز إليها ووعدوا بلدية الشويفات بمنطقة خضراء فوق ردمية كبيرة تشبه ردميتي صيدا وبرج حمود تمتد على مساحة 120 ألف متر مربع، وستكون المساحة الخضراء تابعة لبلدية الشويفات كهبة تكون بتصرفها في خلال سنتين لا أكثر بعد تمدد المنطقة الجغرافية بحراً.
ومن هذه الروايات التي لم تحمل جديداً ظهر واضحاً أن من أعاق الحلّ هي قوة قاهرة قادرة على تطويع الحقائق وابتداع الروايات التي تخرجها من ملفات معقدة كـ"الشعرة من العجينة" كما قال أحد المتعاطين بالملف، ذلك أن القرار النهائي بتسهيل ملف النفايات وإعادته ملفاً بيئياً لا يتعاطي في شكله ومضمونه السياسيون لم يصدر بعد وليكون من بعد ذلك ملفاً تقنياً وبيئياً في عهدة الخبراء المحايديين والبيئيين الساعين الى بيئة نظيفة باقل كلفة محددة.
ومن هنا، تثبت الوقائع كلها أن الملف لن يقفل اليوم، وما استعادة البحث في تسفير أو تصدير النفايات سوى شكل جديد من أشكال الأزمات الناجمة عن النفايات وسط أسئلة واضحة عن الكلفة التفنية والسياسية، التقنية في حال أقرّ التصدير الى الخارج وتحديداً إلى أوروبا، ولدى رئيس الحكومة أكثر من عرض جدي وعروض أخرى غير جدية، لكن التفريق بينها سهل وممكن. وفي حال تم التسفير الى سوريا فهناك من يسعى الى ترجمة أي تفاهم لبناني ـ سوري من هذا النوع إلى تفاهم سياسي بين حكومتي البلدين ولجرّ لبنان إلى حيث تنتظره دمشق ولو متأخراً، وهو أمر لا يريده رئيس الحكومة واكثرية الوزراء الذين نأوا بأنفسهم عن الأزمة السورية. فكيف يمكنهم القبول بأي حل للنفايات ستكون كلفته السياسية لدى النظام السوري أغلى من أي سعر آخر لأي صيغة أخرى لمعالجة النفايات. وهنا يمكن موضوع الخلل الذي سيبقي الملف مفتوحاً الى ما شاءت الظروف.
(خاص "
لبنان 24")