منذ العام 2005 تشهد المؤسسات الدستورية كافة، رئاسية ومجلسية وحكومية، فصولاً من الشلل والتعطيل والإهتراء، حتى تكاد السلطة السياسية تستقيل من مهماتها، وتنضم إلى صفوف المواطنين في التعبير عن استيائها مما آلت إليه أمور البلاد والعباد.
فالمجلس النيابي وهو السلطة المشترعة وفق المادة 16، أقفل بابه الإشتراعي هذا مرات عدة منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تحت عناوين ومسميات جمة، منها عدم جواز التشريع، في ظل حكومة مستقيلة أو "غير ميثاقية" أو "عرجاء"، بعد انسحاب حركة "أمل" و"حزب الله" منها آنذاك، وآخرها في ظل الفراغ الرئاسي. اليوم يقود رئيسه محاولة لإعادة احيائه، انطلاقاً من البوابة المالية وتحت ضغط الشرعية المالية الدولية ومخاطر سقوط مهل القروض.
فـ"تشريع الضرورة" مصطلح صُنع في لبنان مئة بالمئة، من خارج النصوص الدستورية، وضُمّن القاموس السياسي اللبناني الحافل بمصطلحات مماثلة، تبتكرها الذهنية السياسية اللبنانية الخلاقة دوماً، لتسيير أمور بلد متخم بالأزمات الداخلية منها والمستوردة. ولكن أن يكون المصطلح ملبنناً، لا يعني أنه حظي بإجماع الطبقة السياسية، حتى أن النظرة إليه تتناقض داخل الفريق الواحد، ليبدو كطفل تبنّته عائلة، هي أصلاً مشرذمة وتحتاج عراباً وراعياً، فإذا "بالطفل" يشرذّم العائلة الواحدة ، ويفرّق الحلفاء ويجمع الأضداد أو المنضوين تحت "حلف الضرورة".
اليوم نحن أمام معضلة قبل أيام من الجلسة التشريعية، وقبل أسابيع من انتهاء المهل الممنوحة لنا من المؤسسات الدولية . فهل من مخرج ؟
"لو طبقوا الدستور منذ البداية لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه"، يقول الخبير الدستوري النائب السابق صلاح حنين عبر "لبنان 24"، فهناك العديد من البدع تُفّصل على قياس المراحل ومنها "بدعة الميثاقية"، الميثاق وضع في الدستور، وعندما نطبّق الدستور نكون تلقائيا قد طبقّنا الميثاق. الميثاق ليس ضد الدستور بل أنهما واحد".
مقاربة حنين الدستورية مفادها أنّ "المجلس هيئة انتخابية لا اشتراعية، منذ التئامه في دعوة لانتخاب رئيس في نيسان الماضي، لا يحقّ له القيام بأي عمل سوى انتخاب رئيس. ولا شيء في الدستور يُسمى تشريع الضرورة، ثم من يحدّد الضرورة من عدمها؟ "
الحكومة تقوم بالتشريع عبر المراسيم
ولكن في ظل إطالة أمد الفراغ الرئاسي هل يبقى البلد من دون تشريع؟
برأي حنين "هناك مبدأ قانوني يقول بتواصل التشريع وعدم انقطاعه، وعندما يكون المجلس في حال غياب لسبب ما، تقوم الحكومة بالتشريع مكانه من خلال إصدار المراسيم التشريعية، كأن يكون المجلس انتهت ولايته أو كما هي حاله اليوم، فهو لا يحقّ له أن يشّرع، ويُعتبر غائباً تشريعياً، وبالتالي فالحكومة لها الحقّ وعليها واجب القيام بالتشريع مكانه".
ولكن كيف يمكن لحكومة شبه مشلولة أن تقوم بعمل السلطة التشريعية، في وقت لا تقوم هي بعملها؟
يجيب حني: "هذا بحث آخر، فالحكومة هي من تعطّل نفسها،وهي ليست مستقيلة، وما زالت قائمة تتمتع بثقة المجلس، وواجباتها أنّ تجتمع وتنتج، وعدم اجتماعها هو خطأ ترتكبه بحق نفسه ، فلا عائق دستوري أمام اجتماعها، وهم خلقوا عائقاً لا أساس له".
حنين انطلق من مبدأ "أن الحكومة كما تعمل بالأصالة عن نفسها، تعمل نيابة عن رئيس الجمهورية، وإذا كانت تضم 24 وزيراً فهي تجتمع بنصاب 16وزيراً، والقرار أو المرسوم يصوت عليه 9 من أصل 16، أي النصف زائداً واحد، هؤلاء التسعة وزراء يصوتون نيابة عن رئيس الجمهورية. ما حصل أنّهم عقّدوا الأمر، وجعلوا من الوزير الواحد رئيس جمهورية، وضعوا أفخاخاً أمامهم، ولو أخذوا بالرأي الدستوري، لكنا تفادينا مشاكل جمة، وكنا انتخبنا رئيساً بالنصاب الذي يؤكده الدستور، أي النصف زائداً واحد".
للدستور وجه واحد وقراءة واحدة، هذا ما يدركه أهل السياسة في قرارة أنفسهم، وعندما يقررون النظر إليه بعيون وطنية لا مذهبية أو مناطقية، عندها يعود الدستور الحكم والحاكم.