قبل انعقاد هيئة الحوار الوطني في جلستها العاشرة في عين التينة، وبعدها، ما زالت المواقف الإيجابية من طرح الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله للسلة المتكاملة للحل قائمة حتى انها تجاوزت ما كان متوقعاً لها من ردات فعل بنيت على الأجواء العاطفية والإنسانية، التي رافقت الجريمة المزدوجة في برج البراجنة وما حصدته من ارواح بريئة في وسط الشارع.
وعلى هذه الخلفيات طرحت الأوساط السياسية سلسلة من الأسئلة التي تحيط ردات الفعل هذه بالكثير من الشكوك، خصوصاً أن الجديد المنتظر على المستوى السياسي لم يأتِ بعد. فهل كانت الدماء التي سالت في البرج كافية لولوج الحل السياسي، وهل تمكنت من اجتياز الحواجز السياسية والطائفية التي فرزت اللبنانيين ووضعتهم في أكثر من معسكرين وأكثر؟
تجيب الأوساط السياسية لتؤكد أن الجواب الفوري على هذا السؤال بالإيجاب فيه كثير من السذاجة. فما يمكن بناؤه على مسلسل الشعر والأدب السياسي الذي وحدّ اللبنانيين بعد المجزرة لا يمكن الرهان عليه من دون الإستناد الى ما يمكن البناء عليه من خيارات سياسياة تلامس ملفات كبيرة تعيق التفاهم السياسي، على رغم كل النصح الدولي بأن على اللبنانيين فكفكفة العقد في ملفاتهم الداخلية، وليس هناك في العالم من وضع العقدة اللبنانية على اي بند من بنود جداول الأعمال، التي حفلت بها اللقاءآت العربية والدولية من فيينا الى انتاليا، الى الكثير من العواصم العربية والغربية الغارقة في ملفات سوريا واليمن وأحداث فرنسا.
لكنّ هذه الشكوك كلها تتبدد في جانب منها بمجرد أن طال الإرهاب الساحة اللبنانية في توقيت سبق المجازر التي ارتكبت في العاصمة الفرنسية فعاد لبنان الى دائرة الضؤ من باب الإدانة الإنسانية، التي يتقنها الغرب وتخصص لها وزارات الخارجية والمؤسسات الدولية نصوصا معلبة تملأ الفراغات فيها باسم البلد الذي يشهد حادثة أليمة مثل تلك التي شهدتها برج البراجنة من دون الدخول الى اهتمامات كبار المسؤولين فيها.
ولذلك تتوقف المراجع السياسية أمام ردات الفعل السياسية الداخلية التي تركتها مبادرة السيد نصرالله وزاد من الإهتمام بها مواقف نائبه الشيخ نعيم قاسم، الذي دعا الفرقاء اللبنانيين، وهو واحد منهم، الى موجة من التنازلات المتبادلة للوصول الى التسوية السياسية الموعودة، ولكنّ دون ذلك الكثير من التفاصيل حيث يكمن الشيطان في كل بند من بنودها.
وعلى هذه الخلفية ناقشت قوى 14 آذار في إجتماعها القيادي مساء امس في "بيت الوسط" المبادرة واعادت جدولتها فوضعت جزءاً منها تحت مجهر الحل لتخرجها من الثلاجة. فقانون الإنتخاب الذي تحدث عنه نصرالله سيكون على طاولة لجنة نيابية تشكل غداً، وقانون استعادة الجنسية في طريقه ليتحول مرسوماً جوالاً على الوزراء لتوقيعه، ليبقى ملف الإستحقاق الرئاسي فهل يمكن التفاهم بشأنه لولوج المراحل الأخرى بشكل سلس وطبيعي؟
ثمة من يعتقد أن الدخول في بند انتخاب الرئيس هو الأسهل. فقد انجزت هيئة الحوار في جلساتها السابقة ما سمّته مواصفات الرئيس الممكن وصوله الى قصر بعبدا، وهو ما يطرح السؤال: هل أن الفرقاء الذين تفاهموا على هذه المواصفات يمكن ترجمتها باسم معين يختار للرئاسة أم أن الشروط الحادّة التي حكمت المماحكات السياسية السابقة ما زالت قائمة وتعيق الوصول الى مرمى الحل.
وهل يمكن لـ"حزب الله" ان يلاقي قادة قوى 14 آذار بالبحث عن الرئيس الوسطي الذي يمكنه ان يجمع حوله مختلف الأطراف بالمواصفات الجامعة؟
وهل يمكن الفصل بين ما يجري على هذا المستوى وما يجري في سوريا بعدما باتت تطوراتها متحكمة بالصغيرة والكبيرة في بيروت؟
وهل يمكن ان تكون دماء برج البراجنة كافية ليلتقي اللبنانيون على مثل هذا الإستحقاق وتوفير الجدل العقيم حول مسلسل الأزمات التي انتجها الشغور الرئاسي في معظم المؤسسات الدستورية؟ أم أن هناك جاجة الى المزيد من الدماء التي يجب ان تسيل، وهل بقدرة اللبنانيين حل أي معضلة على البارد؟
هذه عينة من الأسئلة المطروحة، وفي انتظار الأيام المقبلة ليس سهلاً توفير الأجوبة على أي منها. ومن لديه جواب واضح فليتقدم به.