باستثناء الأعلام اللبنانية المنتشرة على الطرقات، ونشيد "كلنا للوطن" عبر الإتصال من خطي "الفا" و"تاتش"، والأغاني الوطنية واحتفالات المدارس، وبالطبع غير نقل العطلة الرسمية من الأحد إلى الإثنين، ماذا بقي من هذا الاستقلال؟
فعن أي إستقلال نتكلم؟
عن إستقلال يغيب عن إحتفالاته للسنة الثانية على التوالي رئيس البلاد، الذي وحده يؤدي القسم على الدستور دون سائر الرؤساء، ويتعهدّ بالمحافظة على سيادة وإستقلال البلاد، وهو مغيّب لأن الافرقاء في الداخل لم يتوافقوا بعد على الأولويات، ولأن كل واحد منهم لا يزال ينتظر إشارات من الخارج، الذي أكدّ أكثر من مرّة أن لا علاقة للإستحقاق اللبناني الداخلي بأي ارتباط خارجي، وقد تبّلغ لبنان عبر أكثر من قناة أن المسؤولين الإقليميين، سواء في المملكة العربية السعودية أو في إيران لا يتدخلون في الشؤون اللبنانية الداخلية، وأن مسألة انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية شأن داخلي.
وعلى رغم ذلك لا يزال البعض من اللبنانيين يراهنون على متغييرات إقليمية قد تصبّ لمصلحة خطهم السياسي، متناسين ما يعنيه هذا الإستقلال الذي يحتفلون به اليوم، وللمرة الثانية والسبعين.
هل نتحدث عن إستقلال وطن حكومته لا تجتمع ولا تأخذ قرارات، أقلّه في موضوع يطاول بأضراره الجميع، من هذه الفئة أو تلك، ومن هذه المنطقة أو من تلك. فالجميع متساوون في شمّ رائحة النفايات. والجميع يتفركش بأكوام الزبالة المكدّسة في الشوارع وأمام المنازل.
وهل نتحدث عن استقلال بلاد مُدّدت ولاية مجلسه النيابي مرتين متتاليتين، من دون العودة إلى الشعب، مصدر السلطات، وهو لا يجتمع لينتخب رئيساً، ولا ليشرّع إلا وفق الضرورة، وهل هناك ضرورة أكثر مِن إنتخاب مَن يستطيع أن يعيد إلى المؤسسات الدستورية الحياة والروح.
عن أي إستقلال نتحدث وقد أصبح المواطن في وطنه غريباً، وبات لا همّ له سوى التفتيش عن وطن بديل يحلم بأن يعيش فيه بكرامة مصانة وبحدّ أدنى من مقومات العيش من دون مذلّة وحرمان.
هل نتحدث عن إستقلال الدولة المشتتة ولاءات افرادها والموزعة طوائفياً ومناطقياً وحزبياً، أم نتحدث عن إستقلال بلد المحاصصة والمحسوبيات والزبانية و"كل مين ايدو ألو"، و"من بعد حماري ما ينبت حشيش"، و"الشاطر بشطارتو".
وحده من يستأهل أن يحتفل بذكرى الاستقلال هو الجيش اللبناني وسائر القوى العسكرية، التي تبقى العين الساهرة على الأمن، على جبهات المواجهة مع الإرهاب وفي الداخل، في زمن تكثر فيه عيون الحسّاد، الذين لا يريدون لهذا الوطن أن يحافظ، ولو على استقلال بالإسم والمظاهر.
هذا الإستقلال... كأنه لم يكن، ونتطلع إلى الإستقلال الحقيقي في وطن نُحسد عليه.