ساهم "قانون سرية المصارف" الذي اقترحه العميد ريمون إده في العام 1956 في ازدهار لبنان وزيادة حجم الودائع المصرفية مئات المرات، وشكلت السرّية المصرفية إحدى مزايا القطاع المصرفي، وعنصراً جاذباً للودائع على مدى عشرات الأعوام.
مؤخراً، وتحت قبة البرلمان، كانت كلّ المناقشات والمؤشرات توحي بأنّ نهاية "السر البنكي" كانت مبرمجة منذ سنوات، وأنّ الجلسة التشريعية لم تكن سوى استجابة للضغط الدولي، حيث أقرّ الجميع بمن فيهم "حزب الله"، بخطورة عدم الإذعان لهذه المطالب الدّولية، فتخلّى لبنان عن أبرز هوية مصرفية له، كي يتفادى إدراجه في خانة "الدول غير المتعاونة" في مجال مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال والتهرب الضريبي.
والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف ستنعكس الإطاحة بالسرّية المصرفية على القطاع المصرفي؟
كثيرة هي التحليلات التي حذّرت من الإنعكاس السلبي للتخلّي عن هذه الميزة، وذهب بعض أصحابها إلى اعتبارها بمثابة خطيئة، ستتسبب بتراجع القطاع المصرفي اللبناني الذي استند إلى هذه الركيزة محققاً إزدهاراً لافتاً. ولكنّ هذه التحذيرات ليست في محلّها برأي كبير الإقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل، وذلك لعدّة أسباب، أبرزها، كما قال في حديث لـ"لبنان 24"، أنّ "الإعتقاد بأنّ السّرية المصرفية هي العمود الفقري للقطاع المصرفي اللبناني إعتقاد خاطىء، فنجاح هذا القطاع يعود إلى تضافر جملة عناصر، أكثر أهمية من السرية المصرفية، وهي ثقة المودع بالمصارف اللبنانية والإدارات الحكيمة لهذه المصارف، ووجود 150 مليار دولار ودائع، أي بما يوازي ثلاث مرات حجم الإقتصاد اللبناني، كدليل على حجم الثقة بهذا القطاع".
وفي هذا الإطار سأل غبريل: "إذا كانت المصارف في أيّ بلد في العالم تتبع مبدأ السرية المصرفية ولكنها تفتقد إلى الإدارات الجيدة، فهل كان المودع سيتجرأ على إيداع أمواله فيها؟ ثمّ من يريد إيداع أمواله في مصارفنا فقط بسبب اعتماد مبدأ السرية المصرفية، فهذا يعني أنّ هناك علامات استفهام حول أمواله، والمصارف لا تريده مودعاً. وأضاف: "لو كان لهذه القوانين من نتائج سلبية لما كان حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف نادوا بإقرارها منذ ثلاث سنوات".
رفع السرية المصرفية للحسابات المشبوهة فقط
مما لا شك فيه أنّ هاجس مكافحة الإرهاب بعد هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001، كان له الأثر الأكبر في صياغة قوانين أميركية عابرة للحدود في تأثيراتها، حتى أنّ البنوك السويسرية التي لطالما اعتبرت معقلاً "للسر البنكي" سبقت لبنان بالتخلي عن مبدأ السرية المصرفية. فالقطاع المصرفي العالمي يشهد تغييرات تفرضها الوقائع المستجدة في عالم مزنّر بالإرهاب، ولبنان بفضل وعي حاكمية المصرف المركزي والجهات الرقابية المصرفية، استطاع التوفيق بين ميزاته المصرفية والمحاذير الدولية، ونجح بحذف اسمه من لائحة "الدول والأقاليم غير المتعاونة في مكافحة تبييض الأموال" بعدما أدخل استثناء مدروساً على نظام السرية المصرفية بالقانون 318/2001، وبالتالي يرى غبريل أنّ "من يسوّق لنظرية خطورة رفع السرية المصرفية يتناسى عن قصد أنّنا منذ العام 2001 أوجدنا آلية لرفع السرية المصرفية بموجب هذا القانون، وتمّ تأسيس هيئة مكافحة تبييض الأموال ومركزها في مصرف لبنان، حيث سمح القانون للهيئة أن تطلب برفع السرية المصرفية عن الحسابات المشكوك بأمرها، على أن تكون هذه الطلبات مرفقة بأدلة وقرائن دامغة. كما أنّ التقرير السنوي للهيئة يشير إلى أنّهم يتلقون مئات الطلبات للمتابعة، وتكون التوصية برفع السرية عن عدد قليل جداً من الحسابات، وبالتالي رفع السرية المصرفية لن يكون بموجب هذه القوانين متاحاً إلا للحسابات المشبوهة.
في هذا الوقت تتحضّر المصارف اللبنانية لمواكبة القوانين، التي احتاج التئام المجلس النيابي لإقرارها إلى تسوية سياسية، " والقطاع المصرفي، يقول غبريل، أثبت متانة قلّ نظيرها طيلة 40 عاما، تأقلم خلالها مع الحروب والأوضاع غير المستقرّة محلياً وإقليمياً، ولم يتخلّف يوماً عن دفع الودائع للمودعين عندما يطلبونها، ما شكل أساساً للثقة به، وبالتالي تساعد القوانين التي أقرت على زيادة الثقة بالقطاع، وعلى بقاء صورته ناصعة في العالم".
بدوره يرى المصرفي والأستاذ الجامعي عدنان العريضي أنّ رفع السرية المصرفية ضمن شروط كما هو حاصل في إطار هذه القوانين لن يؤثر على ازدهار القطاع المصرفي، بل على العكس من ذلك سيساهم في تعميق الثقة بهذا القطاع، والدليل أنّه بمجرد التشهير بمصرف لبناني وتسميته بالإسم، كما حصل مع البنك اللبناني الكندي، كفيل بإقفاله. من هنا فأنّ هذه القوانين تحصّن القطاع المصرفي، ويواكب عبرها المستجدات المصرفية العالمية. فلبنان ليس جزيرة معزولة، وسياسة المرونة في التعاطي مع المرحلة، كفيلة بإبقاء القطاع المصرفي اللبناني قوياً وصلباً على الخارطة المصرفية العالمية.
إذن البنوك اللبنانية لن تقف على أطلال السرية المصرفية، وستمضي بابتكار وسائل ضامنة وجاذبة للودائع، تُبقي هذا القطاع بمنأى عن المخاطر.