"
شتي يا دني تيزيد موسمنا ويحلى.. وتدفق مي وزرع جديد بحقلتنا يعلى".. غداً سيستمع عشاق المطر إلى أغنية السيدة فيروز، ويحتفلون بقدوم الحبيب "كارلو"، فالزائر الذي طال انتظاره منذ "الشتوة الأولى" يصل من إيطاليا مخترقاً كل الأجواء والمطبات السياسية والأمنية، المحلية والإقليمية، ليهبط بسلام في بيروت، ثم يقوم بجولة بقاعاً وجنوباً وشمالاً ناشراً الخير والتفاؤل.
غداً سينشغل اللبنانيون في عالم الخيال والحنين والذكريات والتأمل، مهللين فرحاً بالعواصف والرعود والأيام الثلجية.. لكنّ فرحهم لن يطول، إذ وقبل انتهاء الأغنية، ربما، سيصحون على واقع مرير، وحقيقة أن "كارلو" الذي أصبح نجماً قبل مجيئه وروّج له بكثير من الحماسة من قبل الإعلام ليتبين من خلال بيان
مصلحة الأرصاد الجوية اللبنانية أنه عبارة عن منخفض جوي عادي سيصطحب معه كتلاً هوائية باردة وأمطار، سيجلب معه الكثير الكثير من الفوضى والجراثيم، التي تهدد صحة المواطنين وتنذر بكارثة صحية آتية على المدى البعيد. وفي ظل التقاعس المستمر من قبل الوزارات المعنية والبلديات والمسؤولين في وضع خطة مستديمة للتعامل مع الفيضانات والسيول..االمشهد "هو هو" منذ سنوات، والدولة "هي هي" منذ قرون.. وتلال "الزبالة" ما أضافت إلى المشهد إلا سوءاً على سوء.
إذاً، ما بعد "كارلو" أو "فكتور"، وبعيداً عن التسميات والألقاب والتوصيفات المستمرة للعاصفة الآتية، ليس كما قبله، وككل عام في موسم الشتاء سيعيش اللبنانيون تجربة مرة ستكون على الشكل التالي: الدني "طايفة"، السيارات عالقة داخل الحفر، الطرقات غرقانة في السيول، أكياس النفايات المكدسة تسد كل المجارير وستشكّل أجساماً عائمة تطفو على أسطح لبرك والمستنقعات المائية في جميع الطرقات الرئيسية والداخلية والساحات، السير متوقف، جنون الشتاء سيكون في أوجه. إذاً، "أنتم محتجزون داخل سياراتكم" والعودة إلى البيت أضحت مسألة شبه مستحيلة. فابحثوا إذاً عن أغنية تليق بمأساة الغد، مثلاً "هالسيارة مش عم تمشي.. بدا حدا يدفشها دفشي".
ما بعد النفايات..
الجديد هذه السنة في الكارثة هو تداعيات أزمة النفايات التي حلّت في لبنان منذ أكثر من 7 أشهر وما زالت حاضرة بقوة، وبحسب المعلومات الأكيدة، فإن لا خطة بديلة حالياً والخطة القديمة لم يتم التوافق عليها، وإن مرّت "الشتوة الاولى" على خير فإن جميع اللبنانيين يعيشون في رعب دائم من مخاطر هذه الأزمة البيئية والصحية. فماذا بعد تفاقم الأزمة ومع حلول "المنخفض الجوي الثاني"؟
بالنسبة إلى رئيس مصلحة "الأبحاث العلمية الزراعية" ميشال افرام، فقد حذر إلى أن "الكارثة في الأمر تتمثّل بتحول هذه النفايات إلى داخل هذه المجاري التي تعاني أصلاً من التلوث، ممّا سيساهم في زيادة معدلات التلوث وسينتج عنه تراكم غير مسبوق في الأضرار الصحية والبيئية والزراعية".
هذه التحذيرات أكدها الطبيب أحمد حوماني، الأخصائي في أمراض وجراحة الأنف والأذن والحنجرة، شارحاً لـ"لبنان 24" المخاطر الصحية التي سوف تسبب أمراضاً خبيثة على المدى القريب والبعيد، خاصةً مع امتزاج المواد السامة المنبثقة من أكوام النفايات مع المياه الجوفية"، وقال: "مع هطول الأمطار، ستمتص المياه الجوفية المواد المسرطنة والسامة جراء النفايات، هذا المزيج الملوث سيمر على المجاري والآبار في باطن الارض، ثم سوف تُنقل الجراثيم إلى المزروعات، وبشكل غير مباشر إلى الناس، لتسبب حالات تسمم ومشاكل سرطانية".
وشدد على أهمية أن تضع الدولة "حلاً جذرياً إلى هذه الأزمة التي تهدد حياة الآخرين"، لافتاً إلى أن "السبل الوقائية لن تقي من الامراض لكن من المحتمل أن تخفف من انتشارها، فمثلاً من المهم وضع الكمامات الصحية وتجنب الأماكن التي تتكدس فيها النفايات، بالإضافة إلى أهمية الحد من تناول المأكولات خارج المنزل وفي المطاعم، وعند أكل الخضار فإنه من المهم جداً غسلها بمواد معقمة"، مشيراً إلى أن "وضع فلترات قد يقي أيضاً من الجراثيم لكننا لا نستطيع أن نفرضه على الجميع لأسباب مادية".
كارثة على الاجيال القادمة
وأنذر حوماني من أن "هذه المشكلة تسبب امراضاً جرثومية خطيرة جراء انتشار الأوبئة في الهواء لكن هذه الجرائيم الهوائية قد تخف نسبياً مع الامطار، بعكس الجراثيم الأخرى، لكنها لن تختفي لأن السبب الأساسي للمشكلة لا تزال متواجدة"، لافتاً إلى أنه "هناك حالات تسمم في المستشفيات بأعداد اكبر هذه السنة جراء هذا الازمة وخصوصاً لدى النازحين السوريين الذين يعانون من أمراض جلدية".
ونبه حوماني من أن "الخطر يكمن على المدى البعيد، إذ أن الأجيال القادمة وأولادنا معروضون لمشاكل سرطانية عبر 3 اجهزة في الجسم: الجهاز الهضمي والتنفسي والجلدي، وهو ما ينذر بتهديد جدي لصحة الاجيال الآتية".
(خاص "لبنان 24")