من كان ينتظر أن يتحقق ما تمنّاه رئيس مجلس النواب نبيه بري من لقاء رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون ورئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية بان يكون "أفضل سيناريو" لولوج المراحل المقبلة من الإستحقاق الرئاسي، فقد أخطأ التقدير. وثبت أنه ليس من السهل ترجمة مثل هذه الرغبة قبل أن يشكك بما يعرفه الرئيس بري وما يمكن أن يؤديه مثل هذا اللقاء قياساً على الظروف التي باتت تتحكم بأمر ترشيح فرنجية في ظل استمرار العماد عون مرشحاً على قاعدة "أنا أو لا أحد" كما تبلغ منه زواره في الأيام القليلة الماضية التي اعقبت التسوية الأخيرة.
فقبل اللقاء وبعده لم تتغير الصورة، ولا يخفي العارفون بخفايا الإتصالات التي سبقته، والتي رافقت تحديد عون الموعد لفرنجية أنه ليس من الممكن أن ينتج اللقاء شيئآ أيجابيا يتعدى الصورة التي عكست في "وجوم الوجهين"، وأوحت وكانه لقاء بين "غريبين" يلتقيان للمرة الأولى، ليس لأنّ العماد عون مصّر على المضي في ترشيحه اياً كانت الظروف والعوائق، بل لأن الظروف التي حالت الى اليوم دون وصوله الى قصر بعبدا مازالت مفقودة، وأن المسافة بين الرابية وبعبدا تحتاج الى قرون من الزمن لقطعها متوجاً بلقب الفخامة فكيف بالنسبة الى الطريق بين بنشعي وبعبدا.
على هذه الخلفيات فقد عزز صمت الرئيس بري وإكتفائه في لقاء الأربعاء النيابي بالإشارة بكلمات قليلة الى "لقاء القمة" المنتظر بين المرشحين عون وفرنجية الشكوك بأن تتحقق امنيته، لا بل كان من بين النواب المشاركين في اللقاء من قرأها بوضوح أكثر مستبعداً أن يكون بري قصد ما قاله على أنه من الثوابت والقناعات المتوافرة لديه.
ويضيف هذا القارىء أن الرئيس بري امعن في عباراته هذه بالتعبير عن تشاؤمه بامكان التفاهم بين الرجلين. لا بل فهو يدرك قبل غيره استحالة الوصول الى تفاهم اوحى به كثر من أصدقاء "الجنرال"، ومن بينهم من اعتبر اللقاء بأنه بين "الإبن" فرنجية و"الأب" عون، ولا بد من وعد يقطعه الأب للإبن بأن وصيته لن تتضمن اي تنازل عما يستحق له سوى للإبن في زمن التوريث السياسي. فالعماد عون اورث ما لديه للصهر في ظل فقدان الإبن العائلي.
ليس في هذا الكلام ما يسيء الى اصحابه – لامعاذ الله- او تقليلاً من فهم حقيقة المواقف أو تشكيكاً بنوايا الرئيس بري والساعين الى التفاهم بين عون وفرنجية على قاعدة حرص قوى 8 آذار، وفي مقدمهم الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله على الإحتفاظ بالرجلين في آن ومهما كانت الكلفة. فالهدف برأي العالمين بحقيقة مواقف نصرالله ورؤيته ممكن وليس صعباً تحقيقه. لكن المشكلة أن الحزب لم يقرر بعد الإفراج عن الإستحقاق الرئاسي في مثل الظروف التي تعبرها المنطقة، وثمة أسئلة كثيرة ووجيهة لم يحن أوان الإجابة عنها ليخطو "حزب الله" خطوته باتجاه توفير النصاب وملء الشغور في قصر بعبدا.
وفي قناعة العارفين أن الحزب ينتظر الكثير من تطورات سوريا واليمن ليبني استراتيجيته الجديدة في بيروت، وأن الإستحققاق ينتظر المزيد من الوقت ليكون في آوانه هو من يختاره، وفي ظروف هي الفضلى لديه. فطالما أنّ تيار "المستقبل" أقّر باحقية 8 آذار بالرئاسة مقابل عودة زعيمه الى السرايا الكبير، سيبقى امر تحديد العودة بيد "حزب الله"، ومتى وكيف وبأيّ شروط.
ثمة من توقف بالأمس أمام مسلسل الأسئلة التي وجهها الحريري الى فرنجية في لقاء باريس، والتي كشفها زعيم الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط ساخراً من شكلها ومضمونها والتوقيت، ولافتاً الى أن من يقوم بفعلته هذه لا يستحق أن يقود خياراً استراتيجياً بحجم انتخاب رئيس البلاد في مثل الظروف التي تعيشها المنطقة ولبنان، وهو ما يؤدي فعلاً الى انتظار المزيد من الوقت والى أجل غير محدد.
وفي الخلاصة يبرز سؤال وجيه: هل سيدخل لقاء فرنجية – عون في مسلسل اللقاءات التحضيرية لملء الشغور الرئاسي أم أنه سيكون لقاء عابراً لن تحتسبه التطورات المقبلة وخصوصا اذا عُدّ سعياً إلى التفاهم المستحيل؟
على الأرجح أنّ هذا اللقاء فقد وهجهه قبل أن ينعقد، وأن لقاء البترون بين فرنجية والوزير جبران باسيل الذي عقد قبل اسبوعبن كان "البروفة" الأولى للقاء الرابية في شكله ومضمونه، وأنه على الأرجح لن يؤخر ولن يقدم في المواجهة المفتوحة بين التيارين الأخصر والبرتقالي، وأن دفتر الحساب فتح أمس على الكثير من المفاجآت التي لا يمكن التكهن بها من اليوم ما لم تأت التطورات بما يغير في طريقة مقاربة الإستحقاق إن حان أوانه!؟