مع أن لقمة الرئاسة كادت تصل إلى فمّ رئيس "تيار المردة" النائب سليمان فرنجية، وكاد يقطع نصف المسافة بين بنشعي وبعبدا، ومع أن "البيك" هو المشر الرئاسي الجدّي والفعلي لـ"حزب الله"، لم يبادر الأخير إلى تعبيد الطريق التي توصله إلى الرابية، لتكون المعبر الألزامي إلى الرئاسة.
وعلى رغم ما تمّ تسريبه من تلميحات غير واضحة وغير صريحة منسوبة إلى أجواء تُعتبر مقربة من الحزب، وقبل لقاء باريس، من أن فرنجية هو مشروع رئيس وأن العماد عون هو الهدف، فإن مفتاح الرئاسة لا يزال في حوزة حارة حريك، التي تسعى إلى التوفيق بين وعدها للعماد عون في دعم ترشحه حتى يقرر هو بنفسه التخلي عن هذا الترشيح، وبين ما تعتبره الحليف الأقرب إلى توجهاتها في هذه المرحلة الدقيقة والمصيرية.
من هنا يمكن فهم الصمت المطبق الذي يلوذ به الحزب حيال ما سميّ "تسوية"، وإن كانت له بعض التحفظات على الطريقة التي تمّ بها تسويق هذه التسوية، وما يرسم حولها من علامات استفهام، خصوصاً أن ما بينه وما بين الرئيس سعد الحريري من أزمة ثقة لا يوحي بكثير من التفاؤل، على رغم استمرار حواره الثنائي مع تيار "المستقبل"، ولهذا الحوار حيثيته وظروفه ومعطياته، وهي في جوهرها تختلف عما يلفّ الملف الرئاسي من تعقيدات وتشعبات وخلفيات.
وتأسيساً على هذه الأجواء فإن السير بترشيح فرنجية دونه عقبات لا يمكن حلها على "الساخن" بل يفرض التعاطي معه بعقل بارد وإحاطته بالمعطيات الإقليمية والمحلية الضاغطة، بما يوفر لهذا الترشيح المناخات الملائمة والظروف الموضعية الضرورية لانضاجه على نار هادئة، وإن كانت المناخات الدولية باتت مهيأة أكثر من السابق. وهذا يعني أن الأمور ستأخذ وقتها، من دون الغوص كثيراً في التحليلات التي توحي بإنسداد الأفق.
فـ"حزب الله" المنشغل في معاركه المصيرية في سوريا يراقب بدقة وتبصّر ما يجري في اليمن من تطورات، وما يمكن أن تفضي إليه الإتصالات الدولية والإقليمية بالنسبة إلى الأزمة السورية، وهو لا يغيب عن باله حراجة الوضع اللبناني الداخلي، الذي يفرض نمطية معينة في مقاربة ما يجري في الخارج مع الواقع اللبناني. وقد لا تكون ما يسمى "عقدة" الجنرال هي الوحيدة التي تجعل الحزب يحاذر الإقدام على أي خطوة، قد تكون ناقصة، لأنه غير مستعد لتكرار سيناريوهات الماضي، خصوصاً أن الأوضاع الحالية هي أكثر تعقيداً من أي مرحلة سابقة مرّ بها لبنان. ولذلك فالأرتجال والتسّرع غير محمودتي النتائج، وأي دعسة ناقصة قد تقود إلى المجهول.
وفي رأي كثيرين أن حلّ عقدة عون – فرنجية، قياساً على العقد الأخرى، يبدو بالنسبة إلى "حزب الله" أسهل مما يتصوره البعض.
وإلى أن يحين الظرف المناسب فلكل عقدة ألف حلاّل.