منذ أن كانت المبادرة الباريسية، والتي كان يفضّل القائمون بها أن تبقى طي الكتمان، قيل فيها وعنها الكثير، من قبل هذه الجهة أو تلك، ولم يُترك فيها ستر مخبأ، فكشفت كل أسرارها، وانكشفت فيها هشاشة التركيبة السياسية القائمة على أساس 8 و14 آذار، وهي تركيبة لم تنتج حتى الساعة حلاًّ لأزمات كثيرة، وقد تكون أزمة الرئاسة أمّ هذه الأزمات، التي طاولت شظاياها كل المؤسسات الأخرى، وأدخلت البلاد في متاهات مظلمة، وحلّ الشلل وعمّ التراخي.
قيل الكثير عن هذه التي أُطلق عليها تسمية "مبادرة"، وهي لم تكن كذلك، لأن أي مبادرة لكي تكون إسماً على مسمّى وجب أن تحمل في طياتها ما يمكن أن تشكّل بداية حلحلة، وليس العكس، فكان لكل فريق رأي مغاير لرأي الآخر، فتشابكت كل هذه الآراء وأدّت إلى نوع من الفرملة من قبل القائمين بها، وإن كان القريبون من رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية لا يزالون يرون إمكانية عودة الزخم إلى الحركة الرئاسية، بعدما أدلى كل فريق بدلوه.
وحدهم المعنيون بهذه "المبادرة"، أي فرنجية والرئيس سعد الحريري و"حزب الله" لم يقولوا كل ما عندهم من معطيات، على رغم التسريبات الصادرة عن مقربين من هذا التيار أو ذاك، وفيها الكثير من الوقائع والحيثيات، لكنها تبقى غير كافية.
وعليه، اختار "البيك" أن يطلّ من خلال برنامج الزميل مارسيل غانم "كلام الناس" من على شاشة المؤسسة اللبنانية للارسال، ليقول وبصراحته المعهودة ما لم يقله حتى الآن.
فماذا سيقول؟
سيقول حتماً إن ترشحه لرئاسة الجمهورية ليست مزحة، وهي أكثر من جدّية، مع اعترافه بأنه كان يدرك الصعوبات التي ستقف حائلاً في وجهه، وهو العارف أكثر من غيره ما ستكون عليه ردّة فعل كل من العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، الأول لأنه مرشح أول في فريق 8 آذار، والثاني لأنه الخصم اللدود، سياسياً وشخصياً، من دون أن يغفل موقف "حزب الله" المؤيد لعون حتى النهاية.
وعلى رغم ذلك قرر أن يخوض غمار هذه المغامرة، مستفيداً من تأييد تيار "المستقبل" لترشيحه، وهو ما كان متعذّراً مع "الجنرال"، ومن المناخ الدولي والإقليمي بعدما سُدّت كل الأبواب في وجه "المرشح الأقوى في بيئته" على مدى ثلاث وثلاثين جلسة لم يتأمن فيها النصاب القانوني لعقدها.
ولا بدّ لسليمان بيك من أن يكشف جوانب مهمّة من "لقاء باريس"، وما حُكي عن شروط وضعها الرئيس سعد الحريري لقبوله بالسير بهذا الترشيح. وقد يكون في ما سيقوله على الملأ مغايراً لما تمّ تسريبه من معلومات قد لا تعكس حقيقة الأمور.
وخلاصة القول أن فرنجية سيعلن الإستمرار في إقتناص الفرصة، التي قد لا تتكرر لإنقاذ الرئاسة والجمهورية، في هذه المرحلة الدقيقة التي تمرّ بها المنطقة، والتي يُخشى أن يكون لها تداعيات خطرة على الوضعية اللبنانية، في غياب رأس الدولة وتفكك المؤسسات الدستورية.