لا يخفي العارفون بحقيقة المواقف وما هو متبادل من آراء وتوجهات تتصل بما سمي "التسوية الرئاسية" أن المشكلة الحقيقية ليست في انتخاب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية، بل في عدم السماح بعودة الرئيس سعد الحريري إلى السرايا الكبير، والباقي من التفاصيل المملة التي لا تقدم ولا تؤخر في سير العملية، وأن ما جرى البحث به في الكواليس لا يخفي هذه الحقائق.
وتعترف المراجع المعنية بأن هذه الخلاصة تشّل القراءة الأكثر دقة للمبادرة الحريرية وخلفياتها وما رمت اليه، وأن من تعّلق بالقشور وما هو معلن منها لا يبدو أنه كان على علم بكل خفاياها ومراميها والأهداف التي رُسمت لها. فتلهى اللبنانيون بالمواقف المعلنة منها من دون التعمق بكل خفاياها، والتي لم تكن واضحة عندما طُرحت الفكرة تسريباً وتلميحاً، وبقي محضر اللقاء الباريسي الشهير بين الحريري وفرنجية بما شهده من مناقشات مدار تسريب وتنسيب للمواقف بما لا يحتمل الوضع السياسي من مفاجآت. وعلى رغم حجم التسريبات التي صنّفت على أنها من غرائب الزمن لأنها لم تخضع لا للتوضيح ولا للتأكيد ولا للنفي، فقد بقيت على ذمة الرواة.
على هذه الخلفيات قالت المصادر المطلعة أن موقف "حزب الله" من المبادرة لم يكن سريعاً ولا مجرد مضمون بيان أعقب كل الحراك، الذي شهدته الضاحية الجنوبية وعين التينة ومعراب وبنشعي، بل بقي حتى الأمس القريب مجرد تكهنات إلى أن قال رئيس مجلس الشورى في الحزب السيد ابراهيم امين السيد كلمته الفصل على باب بكركي ومن منصتها الرسمية، في أعقاب تبلّغ أعضاء الوفد الذي رئسه تمنيات البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بتسهيل انتخاب الرئيس العتيد للجمهورية على رغم حجم الفيتوات المتبادلة، فقال كلمته الفاصلة في استمرار ترشيح العماد ميشال عون. وفي حال العكس فإن مهمة اقناعه بالإنسحاب ليست من مهام الحزب.
كان البطريرك الراعي يدرك شكل ومضمون المعادلة التي أرساها "حزب الله"، والتي قالت أنه لا يمكنه أن يرحب بالكرسي الرئاسي لتكون من حصة قوى "8 آذار" بانتخاب فرنجية رئيساً ليتخلى عن السلطة المتمثلة بعودة الحريري إلى رئاسة الحكومة. وهي معادلة قادت الحزب الى دعوته الى التوافق مسبقاً على إعادة احتساب المعادلة. فليس للحريري الحق بالعودة إلى الرئاسة بغير وجود عون في قصر بعبدا، وهو أمر مستحيل ويعني أن وصول فرنجية إلى بعبدا لا يوازي عودة الحريري الى السرايا، وربما هناك آخرون أبعدهم عن السرايا النائب السابق عبد الرحيم مراد وأقربهم تمام سلام ليبقى فيها وما بينهما مشروع لرئيس حكومة جديد هو وزير الداخلية نهاد المشنوق، علماً أن هناك عوائق مزروعة أمامه على الطريق من قلب بيت "المستقبل" وليس أشدهم معارضة الرئيس فؤاد السنيورة واقلهم وزير العدل أشرف ريفي، والمعارك الجانبية القائمة بينهم خير دليل على شكل ومضمون هذا الصراع وابعاده الحقيقية..