يثير صيام شهر رمضان أثناء الحمل جدلا واسعا في الأوساط الطبية، في ظل تباين نتائج الدراسات العلمية بين مؤيدة لعدم وجود تأثيرات خطيرة، ومحذرة من مخاطر محتملة على صحة الأم والجنين.
فقد أشارت دراسة حديثة صادرة عن كلية الصحة العامة المشتركة بجامعة أولد دومينيون، بعنوان "آثار صيام رمضان أثناء الحمل على نتائج الحمل والولادة"، إلى غياب إجماع علمي واضح حول تأثير الصيام في الحمل، مؤكدة أن الأبحاث المتاحة لم تقدم دليلا قاطعا يمكن الاستناد إليه لوضع توصيات طبية عامة للحوامل المسلمات.
في المقابل، أظهرت دراسات أخرى احتمالية وجود آثار سلبية في ظروف معينة. وذكرت دراسة نشرتها المجلة الأميركية لأمراض النساء والتوليد في يونيو/حزيران 2023، بعنوان "صيام رمضان والحمل: دليل قائم على الأدلة لطبيب التوليد"، أن الصيام لم يرتبط بشكل واضح بانخفاض وزن المواليد أو زيادة خطر الولادة المبكرة، لكنه ارتبط بزيادة إجهاد الأمهات والجفاف، إضافة إلى انخفاض مستويات السائل الأمينوسي الضروري لنمو الجنين.
كما بينت دراسة مغربية بعنوان "صيام رمضان في الأشهر الثلاثة الأخيرة من الحمل وتركيزات اللبأ بعد الولادة"، أن الصيام قد يؤدي إلى ارتفاع نسبة هرمون الكورتيزول في اللبأ، وهو ما قد يؤثر في البيئة الهرمونية للرضيع.
وفي السياق ذاته، حذرت دراسة صادرة عام 2022 عن قسم الغدد الصماء في مستشفى سانت جورج العام بأستراليا من خطورة الصيام على الحوامل المصابات بداء السكري، نظرا لما قد يسببه من تقلبات حادة في مستويات السكر في الدم، بما يعرض الأم والجنين لمضاعفات صحية.
في المقابل، لم تجد دراسة نُشرت عام 2024 في العدد الأول من مجلة أمراض النساء والتوليد، بعنوان "تأثير صيام رمضان على مستويات الإجهاد التأكسدي في الثلث الثاني من الحمل"، أدلة قوية تشير إلى تأثير سلبي للصيام على صحة الأم أو الجنين خلال هذه المرحلة من الحمل.
إرشادات طبية
وتنصح استشارية أمراض النساء والتوليد الدكتورة سوزي محفوظ الحوامل اللاتي يتمتعن بصحة جيدة ويرغبن في الصيام باتباع مجموعة من الإرشادات، منها الاهتمام بوجبة سحور متكاملة تحتوي على البروتينات والحبوب الكاملة والخضراوات، وتجنب الأطعمة المالحة. كما توصي بكسر الصيام تدريجيا، والابتعاد عن الأطعمة الدسمة والحلويات، مع الحرص على شرب كميات كافية من السوائل بين الإفطار والسحور، والحصول على قسط كاف من الراحة.
وشددت على ضرورة التوقف عن الصيام فورا عند الشعور بدوار شديد، أو قيء مستمر، أو ضعف في حركة الجنين.
حالات يُفضل فيها الإفطار
في المقابل، توصي محفوظ بعدم الصيام في حالات القيء المستمر، أو ظهور علامات الجفاف مثل تغير لون البول، أو انخفاض ضغط الدم الشديد، أو الإصابة بالسكري وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى حالات ضعف نمو الجنين أو قصور تدفق الدم إليه.
وبين تضارب النتائج العلمية، يبقى قرار صيام الحامل مسألة فردية تعتمد على تقييم الحالة الصحية لكل امرأة على حدة، بعد استشارة الطبيب المختص. كما يجيز كثير من العلماء للحامل الإفطار إذا خافت على نفسها أو جنينها من الضرر، بل يوجبونه إذا ثبت وجود خطر حقيقي.