رسام نحّات وشاعر، لا بل فنان من نوع آخر، طوّع كلّ ما يملك من حسّ فني في خدمة مشهدية الإبداع ، فأخذ على عاتقه تأريخ جزء من حكاية وطن، بلوحات فنية تحاكي التراث وتخلده ، في أقبية عثمانية بنيت قبل 400 سنة.
هناك في بلدة الجاهلية الشوفية، بين رهبة وديانها وعذوبة ينابيعها، تواعد الماضي للقاء الحاضر ، فتولى مهندس الإبداع وعاشقه غاندي أبو دياب ترتيب اللقاء في مغاور وأقبية تليق بالمناسبة، فشرع يجمع كل ما يمتّ للعالم القروي بصلة، منذ كان يافعاً، وأضاف إلى المكان قصائده وأبيات شعره على ورق البردى، وأعماله الفنية المتنوعة من قطع الموزاييك والفسيفساء، ولوحاته الزيتية ومنحوتاته من الشمع والبرونز، أنجزتها مخيلته وأبدعت في تجسيد سحر الطبيعية القروية وأصالة أهلها، حتّى أضحى المكان متحفاً لا يشبه سواه، يروي فصولاً عن علاقة القروي بأرضه.
حسناً فعل الفنان غاندي أبو دياب عندما أطلق على متحفه تسمية "متحف كهف الفنون"، فمنذ أن تطأ قدماك ذاك المكان، تدرك أنّك أمام مساحة مكانية وزمانية نادرة، الحجارة التي تفترش مدخل المتحف وممراته على شكل أفلاك صخرية، تبدو وكأنها معلقة فوق الأرض، والحديقة البيئية عبارة عن متحف بيئي، يحتضن تماثيل صنعتها الطبيعة من جذور الأشجار الضخمة، وطاولات صخرية، ومقاعد مصنوعة من أغصان الأشجار وجذوعها، وقد تُركت على هيئتها الأصلية لتضفي رونقاً فريداً، وأحجار نحتتها الأمطار والرياح ، قبل أن يضيف إليها أبو دياب بصماته الفنية. داخل المحترف أقبيةُ العقد الحجري الموغلة في القدم، والتي تنطق بمفردات الضيعة. فالمحدلة، وجرن الكبة الحجري، والكركة، والخوابي الطينية، ومحمصة البن اليدوية، وبابور الكاز، ومكواة الفحم، والجاروشة، والجرار الفخارية، والمنجل، والبلطة، والغربال، والمحراث الخشبي، والبسط القديمة، والطرابيش التقليدية، والمذياع القديم وغيره من الآلآت الموسيقية الأولى، والعشرات من المقتنيات التراثية التي تعود لقرون غابرة، مشاهد تجعلك تشتم رائحة تراب لبنان في ذاك الجبل أو الإمارة التي شكلت النواة الأولى لوطن الأرز، فتجد نفسك تتجول في أروقة الماضي مأخوذاً بسحره، تعايش ذاك القروي، عاشق الأرض ومعشوقها، وتشهد على فصول حياته، فتُذهل لعزمه وصلابته وبساطته وأصالته.
عشقُ أبو دياب لدروب ضيعته الوادعة جعلت اهتماماته مغايرة لأبناء جيله، فحول تلك الأقبية التي كانت تستخدم في العهد العثماني كغرف للاجتماعات السرية، وكملاجئ أبان الحرب الأهلية إلى متحف ثقافي تراثي سياحي. وفي حديث لـ " لبنان 24 " وصف محترفه بقرية لبنانية بكامل تفاصيلها. "بعد ما خمدت أصوات مدافع الحرب الأهلية، قررت رفع صوت الفن التراثي الأصيل، وتجسيد مشهد مختلف، فعملت على تحويل الأقبية من ملجأ للإختباء من القصف إلى مركز ثقافي، يخلد تركات الأجداد ويؤرخ تاريخهم ويوثق نمط حياتهم، ويجعل الأجيال الناشئة تعود بالذاكرة الحية إلى تلك الحقبة، من خلال قطع وأدوات وشواهد حية ماثلة أمامها في مشهد فني آخاذ ، وهدفي توثيق وحماية التراث اللبناني المفقود ، كي لا تنسينا أضواء العصرنة تراث أجدادنا . أضفت إلى المكان أعمالي المستوحاة من الطبيعة والحياة القروية نفسها ".
وأضاف: "المتحف يتألف من ثلاثة أقبية مليئة بالكنوز والأدوات التراثية وأدوات الفلاحة والحراثة، والمفروشات المنزلية العربية القديمة ، إضافةً إلى جناح للفسيفساء والحيطان اللبنية وأسقف الوزال والحطب، وآخر للوحات الزيتية التي تجسّد مفاتن القرية، وجناح خاص للبرونز وتماثيل الشمع".
بجهد فردي جعل متحفه من أهم المعالم التراثية السياحية وأغناها في لبنان. عمل فني استثنائي جعل وزارة السياحة تصنّفه كمتحف فني سياحي تراثي بيئي، وتدرجه على قائمة المتاحف التراثية والفنية في لبنان، وفي كتاب وجهته إلى النقابات المعنية بالسياحة في 10 شباط 2016، نوهت بأهمية العمل الفني الذي يقدمه المتحف، كذلك فعلت وزارة التربية حيث أصدرت قراراً عممت خلاله متحف كهف الفنون على كافة المدارس والثانويات لما يحتويه من جانب تثقيفي وتوثيقي فريد.