منذ حوالى 20 عاماً أو أكثر، عندما اكتشفنا أنّ الانسان يموت ولا يصحى مجدّداً، كنّا نأخذ 100 ليرة من أهلنا ونشتري بها شوكولا وعصير ونذهب لمشاهدة عويل النسوة المجتمعات حول الميت الموضوع على سرير في صالون المنزل، وكنّا نجلس كالذباب على حواف الشبابيك نمصّ العصير ونُشبع الحشرية التي تغلي في صدورنا حول سرّ الموت الذي اكتشفناه حديثاً.
ولكن كلّ هذه البراءة لا تقارن بالفظائع التي نمارسها اليوم بمشاهدتنا النهمة لفيديوهات قطع الرؤوس والأشلاء، وكأننا لم نعد نكتفي بأن نقبع كذبابة على حائط ساحة جريمة وبتنا نريد أن نكون الذبابة على الجثة المبتورة الأطراف.
فما سرّ تحوّل حشريتنا بالموت إلى افتتان وإدمان على مشاهد الإجرام والدمّ وقطع الرؤوس؟
صحيح أنّ الانترنت خلقت نوعاً جديداً من الجماهير حول العالم، الذي بات بإمكانها مشاهدة أي "عملية حمراء" في مكان وزمان مختلفين، ما يعزّز شعورها بالانفصال التام (Detachment) عن الفعل المعروض، لكن دعونا لا ننسى أنه منذ بدء التاريخ ومنذ لحظة ابتكار الإعدامات العلنية، كانت هذه الأحداث أشبه بكرنفالات شعبية يتجمهر فيها آلاف الأشخاص لمشاهدة الرؤوس المتدحرجة على سلالم معابد الإنكا والفراعنة والرومان، وعلى المنصّات الخشبية في فرنسا وبريطانيا والبرتغال.
وفي حين كان يجتمع خلال القرن التاسع عشر 5000 أو 10,000 شخص لمشاهدة عملية شنق، تورد بعض الكتب أنه عام 1820 اجتمع 100,000 شخص لمتابعة عملية إعدام 5 مجرمين بقطع الرأس في لندن، وسُجِّلت أكثر من عملية وفاة بين الحاضرين بسبب تدافع الحشود.
يعني الجماهير لطالما كانت "ذَوّيقة" وتدلّل نفسها بالفظائع البصرية. وفي بداية القرن العشرين، وبعد اختراع الكاميرا، تمّ تسجيل أوّل عملية إعدام علنية عام 1937 في فرنسا عندما تمّ قطع رأس الألماني يوجين فايدمان بالمقصلة في ساحة عامة، وحقّق مصوّر المقطع أموالاً طائلة من جيوب الحشريين الذين تهافتوا على مشاهدته.
اليوم، وبوجود مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت الصاروخي، أصبح عدد المشاهدين بالملايين، وبتنا جميعنا نحصل على المقاعد الأمامية لمشاهدة كلّ ما يتخطّى حدودنا الشخصية ويساعدنا على اكتشاف إحساسنا بالصدمة والرعب. وتسمح لنا الانترنت أن نشعر بأقلّ قدر من المسؤولية في مشاهدة الفظائع وإشباع رغباتنا البدائية في اكتشاف المحظور.
الكاميرا في يدنا ومصّاصة العصير في فمنا وعيننا على الرقاب المقطّعة... كلّ ما هو إنساني فينا يقول إنه يجب أن نتوقف عن المشاهدة، لكننا نعرف أننا لن نتوقف، والتاريخ يعرف اننا لن نتوقف، وكذلك المجرم الذي يصوّر فعلته يعرف ذلك أيضاً، وسيصوّر شيئاً جديداً غداً وهو يراهن على نسَب مشاهداتنا المليونية.
(جوزيف طوق - الجمهورية)