ربحَ تلفزيون لبنان برنامج "التحدّي الكبير" منذ العام 1991، وربحَ التحدّي بإعادة عرضِ البرنامج منذ ثلاث سنوات، بعد توقّفٍ دامَ حوالى ثمانية أعوام. ربحَ التحدّي بعرضٍ في زمن السطحية الإعلامية التلفزيونية برنامجُ معلومات وثقافة عامّة، يتحدّى فيه طلّاب لبنان من كلّ المناطق والطوائف بعضهم البعض بالثقافة والعِلم، وليس بالمعارك الخطابية أو العسكرية. "تحدّي" يُكسبهم معلومات، ومِنَحاً جامعية وجوائزَ ماليّة، ولا يَعمد على تجهيلهم كي يَسهل التحكّم بهم. كما يُقدّم للمشاهد وهو جالسٌ على "الكنباية" يدخّن النرجيلة أو يتناول الـ"pop corn"، المعلومات المختلفة. عسى أن يُكمل تلفزيون لبنان التحدّي ويعرض «التحدّي الكبير» في الـ prime time، بعد نشرةِ الأخبار المسائية. "التحدّي الكبير" برنامج عِلم ومعلومات وثقافة عامّة، ولقاء ومسابقات بين طلّاب لبنان، من إعداد الأستاذ كمال نخلة، وتقديم رولا كسّاب، عُرض في موسمه الأخير على شاشة تلفزيون لبنان، كلَّ جمعة وسَبت، السادسة والنصف مساءً.
برنامج لبنان
في العام 1991 بعد انتهاء الحرب اللبنانية، بدأ عرض برنامج "التحدّي الكبير" ليكون محوره "لبنان"، حيث كان لكلّ فئة منطقتها وخطابها الطائفي.
وبدأ البرنامج مع مشتركين مختلفين وليس فقط مع الطلاب، ويقول الاستاذ كمال نخلة في حديثٍ لـ"الجمهورية"، إنّ "بَعد انتهاء الموسم الأول طلبوا منّي أن أكملَ البرنامج، وحينها طرحتُ أن يكون المشتركون من طلّاب المدارس. فسألوني هل يمكنك أن تجمع الجميع؟ أكّدت لهم ذلك، وفعلاً كان التجاوب كبيراً من المدارس في كل المناطق".
كان يكلّف نخلة فريقَ كلّ مدرسة بإجراء بحث عن إحدى الشخصيات اللبنانية، وإلى جانب الأسئلة عن هذه الشخصية تخلّل البرنامج أسئلة تحليل وذكاء وشِعر مشترَكة لجميع الطلاب. ويشير نخلة: "سلّطتُ الضوء على أبرز الشخصيات اللبنانية السياسية، الفنّية والثقافية... وحرصتُ على أن أجمعَ جميع المدارس من كلّ المناطق، إلى أن أصبَح البرنامج من تراث تلفزيون لبنان".
إستمرّ عرض البرنامج من دون انقطاع لمدة 14 سنة، وتوقّفَ بسبب الأزمة التي عانى منها تلفزيون لبنان، ليعود منذ ثلاث سنوات مجدّداً على الشاشة بعد استلام الأستاذ طلال مقدسي إدارةَ التلفزيون، الذي أصرّ على إعادة عرضِه لأنّه رسالة وبرنامج توجيهي تثقيفي لجميع اللبنانيين.
إستكمال تاريخ لبنان
يتبارى الطلّاب خلال ساعة على 40 سؤالٍ، ويلفت نخلة إلى أنه أدخلَ بعضَ التغييرات على "التحدي الكبير" في المواسم الجديدة، فأصبحت كلّ المواضيع مشتركة، وحرصَ على "تعريف الجيل الجديد على تاريخ لبنان الحديث، ففي البرامج التعليمية الرسمية "يتوقف" تاريخ لبنان في سنة 1943، فسلّطتُ الضوء على عهد الرئيس بشارة الخوري في الموسم الأوّل، وفي الموسم الثاني على الرئيسين كميل شمعون وفؤاد شهاب. وأحضّرُ للسنة المقبلة معلومات عن عهدَي الرئيسين شارل حلو وسليمان فرنجية".
يقدّم البرنامج أيضاً معلومات عن أدباء وشعراء ومناطق في لبنان، ويتمحور جزء من الأسئلة حول معلومات عامّة وأبحاث عن أحداث آنيّة، بيئة وعلوم، وتكنولوجيا، بالإضافة إلى أسئلة ذكاء ومنطق وسرعة بديهة، وأسئلة عن الشعر والزجل اللبناني.
وفي كلّ حلقة يستضيف نخلة أحدَ الاختصاصيين في البيئة، التاريخ، الأدب... ويطرَح عليه الأسئلة في المجال الذي يعمل به، أو مؤرّخين يعلّقون على أحداث تناولتها الأسئلة، أو يعلّق نخلة هو عليها.
وفي نهاية البرنامج تفوز ثلاث فرَق بمِنح جامعية للتعلّم في إحدى الجامعات في تركيا، بتقدمة من "Overseas Education Agency"، وبجوائز ماليّة نقدية، تقدِمة الأستاذ طلال مقدسي.
لا ثقافة عامة
إنتهى الموسم الأخير من «التحدّي الكبير» في أيار الفائت، ويبدأ تصوير الموسم الجديد في أواخر أيلول المقبل. ويعلن نخلة عن ازدياد عدد المدارس التي تريد المشاركة في البرنامج، ففي حين كانت تشارك 40 مدرسة في الموسم، تقدّمت لغاية اليوم 70 مدرسة بطلبات للمشاركة في البرنامج. ويقول "أصِرُّ على إشراك مدارس رسمية ومعاهد فنّية، وأفتخِر بالنتائج التي تحقّقها المدارس والثانويات الرسمية".
عن المستوى الثقافي العام من خلال خبرة 25 سنة في المجال الإعلامي الثقافي، يلاحظ نخلة أنّ "هنالك تراجعاً في المستوى الثقافي. لم يعُد أحد يقرأ، وقلّة هم مَن يملكون ثقافة عامة. أشكّ في أن يشارك 100 شخص في برنامج ثقافي. ففي "مَن سيَربح المليون" الذي شاركتُ بإعداده، غالبية المشتركين الذين ربحوا كانوا من خارج لبنان".
ويَعتبر أنّ الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في إبعاد الناس عن القراءة، كما أنّ الطالب يريد سلوكَ الطريق الأسهل للوصول ويَعتبر أنّ قراءة كتاب أمرٌ صعب، والبرامج التعليمية تساهم في ذلك، فلا تقدّمُ السلطة الرسمية أيَّ حوافز ثقافية.
ويرى أنّنا في عصرٍ حيث ينعزل كلُّ شخص بهاتفه الذكي وهو في جلسة اجتماعية، بينما لو كان عشرةُ الأشخاص الجالسون مع بعضهم البعض يتحاورون ويتكلمون، لَتَعلّمَ كلُّ واحد منهم أموراً جديدة وحصَل على معلومات إضافية من الآخرين.
كما أنّ معظمَ الأشخاص يستخدمون الإنترنت والهواتف الذكية للتسلية فقط. فيتّصل الكثيرون بي كي أعطيَهم الأجوبة على أسئلة مختلفة عوضَ أن يبحثوا عنها عبر الإنترنت، فهم لم يعتادوا البحثَ الثقافي.
سياسة التسطيح
يشير نخلة إلى أنّ الدول الخليجية تتقبّل البرامج الثقافية أكثر من لبنان، وأنّ هنالك سياسة تسطيح للفِكر اللبناني وحتى العربي، كي يصبح الشعب غبيّاً. من الخامسة إلى الثامنة مساءً تُعرَض البرامج الثقافية عبر مختلف المحطات الفرنسية، فيسأل "لماذا الشعب الأوروبي يحمل 3 ساعات ثقافة والشعب اللبناني لا؟"، ويجيب "لأنّ في أوروبا نرى المواطن يقرأ في المقهى والمترو بينما في لبنان يجلس في المقهى ليدخّن النرجيلة".
إلّا أنّ نخلة يرفض مقولة "الجمهور عايز كِده"، ويقول "أنتم تقدّمون للجمهور كِده"، ويشدّد على ضرورة إعادة عرض برامج لها قيمة عبر الوسائل الإعلامية المرئية، وإقناع المعلِنين أنّ هذه البرامج تحصد نسَب مشاهدة. فأعطونا على الأقلّ نصفَ ساعة بثّ يومية من 24 ساعة للثقافة!
تَخصّص كمال نخلة في الأدب، التاريخ، الكيمياء، الفيزياء، والعلوم السياسية. ويقول "أقرأ كثيراً. الشهادة توازي 10 في المئة من معلومات الإنسان ومكتسباته التعليمية الفكرية، والثقافة توازي 90 في المئة منها".
أعَدَّ نخلة ما يُقارب الـ 40 برنامجاً تلفزيونياً ثقافياً، وإلى جانب الإعداد التلفزيوني يعدّ نشاطات ثقافية في المدارس والجامعات، كما الندوات والمحاضرات والتكريمات. وصدرَ له كتُب عدّة، منها كتاب عن الثقافة الشعبية اللبنانية، و"مِن كِل ضيعة حكاية". وهو بصَدد كتابة ذكريات ومراحل حياته.
(راكيل عتيق - الجمهورية)