بالزغاريد والمفرقعات النارية، ودّع اللبنانيون أمس مسلسل "مثل القمر" (MTV) الذي عُرض على الشاشة في موسمين متتاليين ووصل عدد حلقاته إلى 87 حلقة!
انتهت القصة بزواج "قمر" و"جهاد"، كما كان متوقعاً بالطبع. الحلقة الأخيرة خُصصت بالكامل لمراسم الاحتفال... والذكريات! غاب "سليم" الصديق والحاضر يومياً في يوميّات الجزء الثاني، تماماً كما كانت تغيب شخصيات ومراحل واحداث بشكل فجائي وغير مبرر. في السابق، تركت "قمر" والدها الذي وجدته بعد طول غياب وجفاء لتتوّجه إلى النادي وتديره. ومنذ أن عادت إلى الضيعة وسكنت في "القصر"، لم يعد يؤتى على ذكر النادي، "فطار" العاشق المولع فريد بيك بسحر ساحر، مثلما "تبخّر" الطفل "سامي" ابن "سعيد" بعد موت والدته "ريموندا" في حادث سير. وهذا فيضٌ من غيض حبكة النصّ المشوّهة، بل المغيّبة الى حدّ تحوّل المسلسل برمتّه مهزلة الدراما في القرن الواحد والعشرين، مضافاً إليها كلّ السقطات الإخراجية "العظيمة" والمطوّلات الوقحة والسيناريو الركيك والأداء التمثيلي الصادم!
المسلسل الذي نال عملياً نسبة مشاهدة عالية، ولا سيّما في جزئه الأول، لم يحظ قطعاً بتصفيق الجمهور (قسمٌ كبير منه تابعه بسبب جمال الممثلة ستيفاني صليبا وإطلالاتها الأنيقة)، حتى بات السؤال حول ما اذا كان معيار النجاح يقاس حقاً بنسب المشاهدة غير قابل للطرح لتوّفر الإجابة بوضوح كنور الشمس!
أما وقد انتهى ما وُصف بـ"نكسة الدراما اللبنانية"، فقد حان وقت استخلاص العبر، أو بالأحرى، زمن المحاسبة! أن يؤتى بمسلسل مكسيكي (ماريمار) عُرض منذ أكثر من 12 عاماً، ويصار إلى احيائه على الطريقة اللبنانية، فيُبثّ في أوقات الذروة ثلاث أو أربع مرّات في الأسبوع، ليس بجريمة درامية طالما يحوي حداً أدنى من عناصر النجاح شكلاً ومضموناً! ولكن أن يُستنسخ المسلسل بالشكل الذي رأيناه في "مثل القمر"، من دون إجراء تعديلات ضرورية من شأنها "لببنة" القصة أكثر وتماهيها مع تطوّر الدراما، فهذا استغباء لعقول المشاهدين. ولعلّ المشكلة العظمى لا تكمن في مضمون القصة الذي حاكى مواضيع مبتذلة كصراع الطبقات وعذابات الحب والانتقام اذا ما ربطناه بحقبة زمنية من الماضي، بل بغياب الخلاصة (الدرس) أو الرسالة التي عادة ما يستشفها المتابع في ختام العمل. ما كانت فائدة "مثل القمر" على الدراما بشكل عام وعلى الجمهور بشكل خاص؟ ماذا ربح هذا الأخير سوى الشعور ببعض الغباء والاستغباء؟!
مؤسفة حالنا، كجمهور عربي، بل مُبكية. مهما حاولنا الصراخ بوجه من يتجرأ على تسخيفنا وتفريغ عقولنا، فسنظلّ نجد من يكمم أفواهنا، إن من قبل صنّاع الدراما أو من قبل بعض الإعلام!
ثمة قناة على النايل سات اسمها "مايسترو" متخصصة في برامج المسابقات...بل في تحقير الشعب العربي إن لم نقل في النصب عليه. أحد الأسئلة التي تُطرح على مدى أشهر قبل أن يتمكن أحد عباقرتنا من فكّ لغزها، هو كالتالي:"كلمة من ثلاثة أحرف، الحرف الأول كالأخير، وموجودة في كلّ منزل". تتوالى الاتصالات من مختلف البلدان العربية، ومن ضمنها لبنان، فتكون الإجابات على النحو التالي: "بوتاغاز"، "كنبة"، مطبخ"، "شباك"... وحين يتصلّ أحدهم أخيراً ليربح مبلغاً يفوق العشرين ألف دولار، مجيباً "باب"، لا يدخل اسمه، عن طريق الخطأ، بالـsystem! لعلّ معظم سكان هذه المنطقة "لي بتتكلم عربي" يعرف أن ما يشاهده ليس إلا عملية احتيال "مبكلّة". المشكلة ليست هنا وحسب، بل في احتمال وصول هذه المهزلة الى مسامع الأجانب، فيعززون "إحكام" أحكامهم المسبقة عنا! هذا عدا عمّا يختلج صدورنا أثناء استغبائنا!
المفارقة أن المقاربة بين "مايسترو" على القمر الصناعي و"مثل القمر" المكسيكي على الكوكب اللبناني ليست ضرباً من مبالغة أو عبث. كلاهما مهزلة العصر... والفضاء!