كتب عبد الفتاح خطاب في صحيفة "اللواء": "فقدت اللغة العربية سجيتها وبراءتها في لبنان، وتم تحوير مصطلحات عديدة عن معناها الأصلي، فأصبحت تعني مفاهيم مُغايرة قد تثير لدى الناس مشاعر الهزء والسخرية، أو أحاسيس الإستفزاز والغضب، أو الإشمئزاز والإستنكار، أو الإعجاب والتأييد، وقد تشكّل للصحافيين والكتّاب محظورات ومتاهات ومطبّات ضمن مختلف أنواع الخطوط الحمر.
من هذه الكلمات والمفردات والمصطلحات: الأممية، القومية، المؤامرة الإمبريالية، الوحدة، التضامن العربي، القمة العربية، الحرية، الكرامة، النضال، الرفيق، الحركة العمالية، الأحزاب، الطبقة الوسطى، التنمية المتوازنة، مظاهرة، مطلب شعبي، العدالة الإجتماعية، الشفافية، الدستور، المساواة، العيش المشترك، الإرهاب، المواطنية، الديمقراطية، التلاحم، الصلاحيات، القانون، الطائف، الدوحة، المرجعيات، الحوار، الدين العام، دولة المؤسسات ...
وبعض الكلمات صارت بحاجة إلى صفات تلازمها وتنفي عنها اللبس أو الشبهات! مثل القضاء المستقل (أي ليس مسيساً)، عملية جهادية استشهادية (أي ليست إرهابية أو إنتحارية أو إنغماسيّة)، الوفاق الوطني (إي ليس "تطبيقة" بين طرفين)، حكومة الوحدة الوطنية (أي حكومة تجمّع الأضداد المتنافرين في كل شيء)...
والكلمة ذاتها قد تحتاج إلى مرادف كي يتم تحديدها بدقة مثل مصدر مسؤول، مصدر مُطلع، مصدر مُقرّب، مصدر رفض الكشف عن إسمه، مصدر معني، مصدر أمني، مصدر رفيع المستوى، مصدر أمين، مصدر واسع الاطلاع، مصدر موثوق، مصدر على صلة بكذا...
وقد تم إضافة تعابير جديدة إلى المُصطلحات السياسية مثل الأكثرية الشعبية، الجوجلة، الإستئناس، الإستشفاف، الإستنهاض، القوى الظلامية، الشعوبية، زُمر البغي والعدوان، الأجواء السياسية، حزب السلاح، اللغة الخشبيّة...
كما أصبحت أسماء بعض المناطق مرادفة لشخصيات أو تجمعات سياسية مثل بعبدا، عمشيت، قريطم، مجدليون، عين التينة، المصيلح، عائشة بكار، المختارة، المصيطبة، معراب، الرابية، عوكر، الديمان، بنشعي ...
وهناك كلمات وصفات ومفردات بل وأرقام تحولت إلى أسماء علم مثل المعلم، العماد، الأستاذ، الشيخ، الجنرال، الحكيم، ضمير لبنان، الشقيقة، الأم الحنون، دولة الإستكبار، القوات، التيار، الزعيم، الأفندي، اللواء، الحقيقة، 10452، ...
وفي هذا المضمار لا ننسى التبعية والانتماء في الألوان وأصوات نفير السيارات (الزمور)، ومعاني المناصرة والتحيّز للنوادي الرياضية!
ولا أبالغ إذا زعمت أن الكثير من اللبنانيين لا يفهمون المصطلحات والتعابير الجديدة التي يزدحم بها قاموس السياسة اللبنانية هذه الأيام ... بالأحرى كيف يمكن لغير اللبنانيين أن يفهموها؟ كيف نشرح لهؤلاء مفهوم "الديمقراطية التوافقية"؟ كيف نُعلّل طلب مشاركة المعارضة للموالاة في الحكم؟ وكيف نُفسّر معاني الثلث الضامن، والثلث المعطّل، والثلث المشارك، والحصة الوازنة، والوزير الملك، والميثاقيّة؟ ومعنى الحقائب الوزارية السيادية؟ ولماذا نعقد "طاولات حوار وطني"؟ والأنكى من ذلك كله هو كيف كنا نقوم بإجراء الإنتخابات النيابية على قاعدة الأكثرية ويتم تأليف الحكومة على قاعدة النسبية! وهذا كله مجرّد غيض من فيض!
وبسبب محاولة تجنّب إثارة هذه الجهة أو الصدام مع تلك، أو التصنيف مع هذه الفئة أو الإتهام من قبل تلك ، يُصبح الحديث والكتابة مخاضاً عسيراً ومسيرة خطرة في حقل من الألغام.
وتسألون لماذا يلزمنا ساعات لتسطير خاطرة من عشرة سطور؟!".