كتب المفكر والإعلامي والديبلوماسي الراحل واجد دوماني في العديد من الصحف والمجلات، وأغنى صفحاتها بما كتب عن الفكر والأدب والثقافة والإعلام والسياسة والصحة والإنسان وشؤون الحياة، بأسلوب يعتمد العمق والبساطة والسلاسة والأناقة في آن، وينبع من غنى الثقافة وغزارة الإطلاع وعمق التجارب. بعض مقالاته يعود إلى الستينيات، ومع ذلك فإنّ القارىء يتفاعل معها وكأنها كتبت اليوم، ولقد اختار"لبنان 24" إعادة نشر هذا المقال، وعنوانه: "التداعب.. كالتذاكي..":
السياسي الناجح هو الذي تتوفر في شخصه "ملكة الدعابة" حيث تحدّد هذه الملكة بشطحات وقفزات تفتح له الطريق إلى قلوب الناس.
فالدعابة شيء.. والتداعب شيء آخر..
كما الذكاء شيء.. والتذاكي شيء آخر.
الذكاء حالة فطرية، وعفوية..
أما التذاكي فهو الاعتداء على حصن روح الذكاء.. والظهور بمظهره وارتداء قميصه، واصطناعه اصطناعاً.. ويبدو أن بعض السياسيين يركبون هذا المركب، في حالات اضطرارية، عندما يشعرون أن المسافة بينهم وبين الذكاء طويلة وشاقة.. إذا بهم يصرون على أن يظهروا على الساحة "كأذكياء" فيتعثرون، وينزلقون، وإذا بهم يطبون في مطبات لا أول لها ولا آخر..
وانطلاقاً من التمهيد أقول:
أعرف أحد السياسيين، كما كان يصرف من الجهد، وينفق من الأعصاب، وهو يحاول أن يبدو "صاحب دعابة وظرف" ويبدو أنه قرأ سيرة بعض السياسيين الناجحين. وعلم أن من أسباب نجاحاتهم تأصل روح الدعابة في نفوسهم وهي كما تسمّى بالإنكليزية Sense of humour.
لقد بدأ هذا السياسي يسير في خطواته وهو يمارس ويتقمص روح ذلك السياسي الناجح الذي قرأ عنه، وبصورة في وجدانه وخياله.. وكنت أتابع ممارساته "الدعابية" في كل فرصة وأرصدها، وإذا كل هذه المحاولات، في مدة سنين طويلة لم ترفعه من تلك الدرجة التي بدأ فيها. لقد ظن بل توهم أنه أصبح "دعابياً" وإذا هو في حقيقته "متداعباً"..
حقاً، إن الذكاء شيء فطري وعفوي، والتذاكي هو الصورة المشوّهة الممسوحة له.
كذلك الدعابة الأصلية شيء، والتداعب شيء آخر.