يواجه السكان الأكثر حاجة في لبنان، نساءً كنّ أو رجال، مواطنين أو لاجئين، صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية، أبرزها متعلّق بالتكاليف المادية للاستشارات الطبيّة، والفحوصات المخبريّة والعلاج، بالإضافة إلى تكاليف المواصلات وغيرها من المتطلّبات.
ونستقبل في عيادات أطباء بلا حدود المتعدّدة في لبنان، عدداً مهمّاً من المرضى، ومن ضمنهم اللاجئين ممن يسعون للحصول على الرعاية الصحيّة المجّانية التي تقدّمها المنظّمة، إلّا أننا نختبر كل يوم حجم التحدّيات التي يواجهونها، والتي قد تؤثّر على مدى التزامهم بالعلاج واستجابتهم لإرشادات الفريق الطبي، وتقيدهم بمواعيد المراجعة، وغيرها... فمن يسعى جاهداً لتأمين قوت يومه، ومأوى لعائلته، قد لا يجعل من صحته أولويّة بالنسبة له. فمثلاً، قد يضحّي الكثير من الأهالي المصابين بمرض مزمن، بدواء، أو زيارة إلى الطبيب، أو حمية غذائيّة، لأجل أبنائهم، من دون أن يدركوا أن لهذا تداعيات مهمّة على صحتهم قد تكون أكثر كلفة على المدى البعيد.
وتقدّم منظّمة أطباء بلا حدود، من خلال عيادات الرعاية الصحيّة الأوليّة المنتشرة في البقاع والشمال وجنوب بيروت، الخدمات الصحيّة في مجالات الطب العام للأطفال، ورعاية الأمراض المزمنة كالسكري والضغط، وخدمات الصحّة الإنجابيّة، كرعاية الحوامل وتنظيم الأسرى، بالإضافة إلى استشارات الصحّة النفسيّة، والتثقيف الصحّي، كما تدير مراكز ولادة توفّر خدمات الولادات الطبيعيّة المجّانيّة.
تحديات اقتصادية واجتماعية تواجه النساء
بالإضافة إلى الصعوبات الماديّة التي يواجهها النساء والرجال على حدّ سواء، نلمس من خلال عملنا الميداني أن النساء يعانين من تحديات إضافيّة، منها متعلّق بالبيئة الاجتماعية، والأدوار المتعدّدة التي تحتلها المرأة في الأسرة، وبعلاقتها بالرجل، كزوجة وأم أو كابنة أو أخت.
في العام الماضي، قدمت المنظمة أكثر من 94,700 استشارة حول أمراض مزمنة، 56% منها كانت لنساء. من الأحداث الشائعة التي نشهد عليها في عياداتنا، أن تنسى بعض النساء، المصابات بمرض السكري مثلاً، تناول الدواء في الصباح لأنهن يحاولن إنهاء جميع أعمالهن المنزلية قبل أن يستيقظ باقي أفراد العائلة، أو أخريات يؤجلّن تناول جرعة الأنسولين الصباحية إلى ما بعد تحضير الفطور وتناوله مع العائلة، أو إلى ما بعد العودة من دوام العمل الصباحي. ومنهن من لا تستطيع أن تحضّر وجبة صحّية، لأنها تأكل مما توفّر لها ولعائلتها.
من جهة أخرى، فإن أحد أسباب تغيّب بعض النساء عن مواعيد الاستشارة الطبيّة يرتبط بضرورة أن يرافق احد أفراد العائلة المرأة في زيارتها إلى العيادة، وهذا ما يتطلّب مبلغ إضافي من المال لتغطية تكاليف النقل لأكثر من شخص، مبلغ قد لا يتوفّر في معظم الأحيان. وفي الحالات القصوى قد تتأخّر الأم في الوصول إلى مركز الولادة، أو ترفض البقاء لفترة المراقبة ما بعد الولادة، أو حتى قد تقرر الولادة في المنزل، لعدم قدرتها على ترك أولادها بمفردهم حين يغيب الأب والأقارب.
وصمة عار تلاحق المرأة المصابة بمرض مزمن
من أبرز المواضيع التي نعمل على تجاوزها مع مرضانا من الفتيات هو شعورهن بالخزي لإصابتهن بمرض مزمن، أو حاجتهن إلى دعم نفسي، وذلك لما يمكن أن يؤثّر على نظرة مجتمعهن لهن، وفرصهن بالزواج كما يُعبّرن: "إذا عرفوا معي السكري، ما عاد حدا بيطلبني للزواج."
وهناك تحدّ آخر يواجه النساء اللواتي يُقدّرن أهميّة الحصول على دعم نفسي عند الحاجة، فبعض النساء تشتكين من أنّ أزواجهنّ لا يعتبرون أن استشارة الصحة النفسية مبررًا لزيارة العيادة دورياً، فمنهن من يأتي بحجّة استشارة طبيّة للأطفال، أو استشارة صحّة إنجابية، ونقدّر الجهد الذي يبذلنه لمتابعة العلاج. قدم فريق منظمة أطباء بلا حدود للصحة النفسية حوالي 8,800 استشارة فردية في العام 2018، وما يزيد عن 67% منها كانت لنساءٍ.
الخيارات الصحيّة
قد تؤثّر بعض العادات والتقاليد بالخيارات الصحيّة لمرضانا ومن ضمنهم النساء، حيث يتردّد بعضهن باستخدام وسائل تنظيم الأسرة، بسبب رغبة العائلة بالمزيد من الأطفال، وخصوصاً من الذكور، ومنهن من يرغب باعتماد أساليب تنظيم الأسرة، إلا أنهن يعتمدن على أزواجهن لاتخاذ القرار في هذا الموضوع.
من جانبنا، كفريق تثقيف صحّي، نحاول قدر المستطاع إشراك الرجال ومختلف أفراد العائلة في جلسات التوعية التي ننظمها في المجتمع، لرفع مستوى الوعي حول هذه المواضيع الصحيّة، سواء كانت تتعلّق بالصحة النفسية أو بتنظيم الأسرة أو أي موضوع آخر. نسعى من خلال ذلك على جعلهم أكثر إلماماً وأكثر دعمًا وتفهّمًا للاحتياجات الصحية للعائلة بشكلٍ عام والمرأة بشكلٍ خاص.
مهام فريق التثقيف والدعم الصحي
أعمل مع فريقٍ متعدد التخصصات على دعم والمرضى وتثقيفهم عن مرضهم، ومساعدتهم على التغلّب على التحديات التي يواجهونها في إدارة مرضهم، إن كان من حيث تغيير أسلوب حياتهم إلى أسلوبٍ أكثر صحي أو من حيث إلتزامهم بالعلاج والمتابعة الطبيّة. ومن خلال جلسات التثقيف والدعم الصحي، يشعر المرضى أن الطاقم الطبي يستمع إليهم وإلى مخاوفهم، ويحاول مساعدتهم في العثور على الطريقة الأنسب للتعايش مع مرض مزمن، أو تخطّي حالة نفسيّة. أحيانًا، يندفعون للتغيير وأحيانًا يكونون متعبين ويترددون في إجراء أي تغيير.
نحرص دومًا على التعامل مع خصوصيّة كلّ حالة، وذلك عبر وضع خطة معيّنة بأهداف محددة لكلّ مريض، خطّة تراعي الظروف الاجتماعية والاقتصادية، والبيئة المحيطة بكل منهم، وذلك لمساعدتهم على إيجاد طرق وأساليب قابلة للتحقيق مما يدعم برنامجهم العلاجي.
وقد جعلني عملي هذا أقرب إلى المرضى، أنظر إلى حالتهم ليس من الجانب الطبّي فقط إنما من مختلف الجوانب التي تؤثّر على حالتهم الصحيّة، وما أكثرها...أسمع وأرى كل يوم قصصاً لنساء تسعين جاهدات لتلبية احتياجات أسرهن، وكم أفرح لرؤية نساء يثابرن على الاهتمام بصحّتهن رغم التحدّيات، فلا يساومن على صحّتهن وقد أدركن أن اهمال اليوم، يُدفع ثمنه غداً.