بقي اسم بيروت أو وسط بيروت والمناطق القريبة لمدة طويلة مرادفاً للقانون والثقافة والفن والسياحة والجمال. فيتوافد السيّاح واللبنانيون من مختلف المناطق للسهر في بيروت والتبضّع من بيروت والتنزّه في بيروت... إلى أن أصبح ذهابك إلى العاصمة أخيراً أمراً يثير الاستغراب فيسألونك: «عالمظاهره؟»، «بدّك تسكّر طرقات؟». تجيب: لا أنا ذاهب إلى افتتاح متحف سرسق. يتعجّبون بسخرية «الحراك المدني مسكّر وسط بيروت... وَقت متاحف هَلّأ»؟!في هذا الظرف بالتحديد، وفي ظلّ هذه الأوضاع الصعبة، كان الوقت المثالي لإعادة افتتاح متحف سرسق. لإعادة صورة بيروت الحقيقية. لتعريف الناس الى تاريخ بيروت وإرثها.
تصل إلى متحف سرسق في الأشرفية بعد معاناة خلال زحمة السير الخانقة جرّاء إقفال مداخل وسط بيروت والتدابير الأمنية المتّخذة خلال تظاهرة «الحراك المدني»، وبسبب عدم توفّر المواقف لركن السيارات.
لكن ما ان تصِل، حتى تتأكد أنّ الحراك الحقيقي يوم الخميس 8 تشرين الأول 2015 كان في متحف سرسق. حراك ثقافي سياسي فنّي ديني اجتماعي، كبير شامل وجامع. الآلاف أتوا من مختلف المناطق اللبنانية ومن بيروت بالتحديد متلهفين لمعاينة ومشاهدة التحسينات والتغيرات التي طرأت على المتحف. سوّاح وممثلو بعثات وسفارات أجنبية جذبهم المتحف أيضاً للمجيء والتعرّف الى محتوياته.
الإفتتاح برعاية سلام
تمّ افتتاح متحف نقولا سرسق برعاية رئيس مجلس الوزراء تمام سلام، وقدّم حفل الافتتاح الاعلامي جوزيف حويك بحضور أكثر من 50 شخصية دينية وسياسية بارزة. نذكر منها: متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده، عقيلة رئيس الحكومة تمام سلام السيدة لما سلام، وزير العمل سجعان قزي، وزير الثقافة روني عريجي.
وألقى كل من الوزير السابق ورئيس اللجنة العامة لإدارة المتحف طارق متري، مُتوَلّي المتحف رئيس بلدية بيروت بلال حمد والسيدة لما سلام، كلمات أجمعت على أنّ هذا المتحف هو رسالة للفن والثقافة والابداع، وأنّ بيروت هي درّة الشرق، وأنّ نقولا ابراهيم سرسق رجل عظيم قدّم قصره ليصبح متحفاً عاماً وابتعد عن الطائفية والمذهبية، فأوصى بأن يكون رئيس بلدية بيروت أيّاً يكن انتماؤه هو «مُتوّلي» المتحف. جال الجميع في المتحف وتمّ إزالة الستارة عن اللوحة التذكارية لإعادة افتتاحه، وشاهد الحضور فيلماً وثائقياً عن تاريخ بيروت وبيوتها وأحيائها.
متحف للفنّ الحديث والمعاصر
متحف نقولا ابراهيم سرسق هو متحف للفنّ الحديث والمعاصر، يجمع الأعمال الفنية المحلية والعالمية فيعرضها ويحافظ عليها منذ افتتاحه عام 1961. الدار الذي يقع فيه المتحف كان مسكناً لمنشئ المجموعات الفنيّة نقولا سرسق، الذي أوصى بمنح داره بعد وفاته إلى مدينة بيروت كي يكون متحفاً للفنّ. وتوفي سرسق عام 1952.
أقفل المتحف أبوابه عام 2008 بغية القيام بأعمال ترميم وتوسعة رئيسية أضافت إليه 4 طوابق تحت الأرض. فأصبحت مساحته 8500م2 بعد أن كانت 1500م2.
يتضمّن المتحف اليوم صالة المعارض الكبرى، أوديتوريوم يتّسع لـ168 كرسياً، مكتبة، فضاء المحترفات، صالتين كبيرتين متناظرتين، صالة المجموعة الدائمة، القاعة العربية، مكتب نقولا سرسق، صالة مجموعة فؤاد دباس للصور وصالة المجموعة الدائمة.
متحف كبير مصمّم بطريقة معاصرة حديثة ولكن بطريقة حافظت على شكله الخارجي والداخلي كرمز من قصور بيروت في فترات سابقة. في المتحف تتعرّف الى أحياء بيروت ومناطقها وحتى الى ملاعب «الفوتبول» القديمة. تقف أمام خريطة تعرّفك الى المناطق والأحياء التي كانت مركزاً للتنزّه، مناطق لم ترها يوماً بهذه النظافة والجمال.
تأسف للتشويه الكبير الذي حدث لمناطق بيروت بعد أن تجد تحت عنوان الطبيعة وممارسة «السَيران» أسماء وأخباراً وصوَر مناطق مثل بحر الكرنتينا، نهر بيروت، بحر الدورة... فيُولّد قلبك حنيناً لزمن لم تعرفه وتتوق للغوص فيه.
تتعرّف الى مناطق المدينة والمناظر الطبيعية ومشاهد الحياة اليومية في المعارض الموجودة، في الصوَر وفي المنحوتات. أما مجموعة فؤاد دبّاس للصوَر فهي تاريخ بحد ذاته يعرّف الزائر الى منطقة الشرق الأوسط والى لبنان تحديداً في حقبة ممتدة بين 1860 وستينات القرن العشرين.
في المكتبة وثائق وصوَر من معارض سابقة أقيمت في المتحف تجعلك تتخيّل أنك واقف في نفس المكان، إنما في زمن مختلف تشاهد أمامك معرضاً لرسومات ليوناردو دافينشي عام 1964.
الوزير المشنوق يجول في المتحف
تدفّق الزوّار إلى المتحف بكثرة، وخلال السير في أنحاء طوابقه تلتقي صدفة بسفراء وفنانين وسياسيين. وعلى مقربة من المتحف تلاحظ أنّ هناك متظاهرين غاضبين يطالبون باستقالة وزير البيئة محمد المشنوق، بينما هو يجول في متحف سرسق.
وها هو يقول في حديث لـ «الجمهورية»:
«أعيش مثل كل الناس لحظات من الألم بسبب الظروف في لبنان، ووجودنا في متحف سرسق هو مناسبة وطنية لتعزيز الجانب الثقافي والابداعي في هذا البلد ولدعم مركز بهذا المستوى والمساحة والتجهيزات في لبنان».
وأكّد أنه «من الضروري أن نتواجد في كلّ مكان، وهذا ليس بحراك كما يسمّيه البعض بل واجب، ولن نتوقف عن العمل على أيّ صعيد سياسي أو بيئي أو ثقافي».
تبايُن
أمّا رئيس حركة الاستقلال ميشال معوض الذي دافع في اليومين السابقين عن حرية التعبير من خلال التدخل للإفراج عن شخص عبّر عن رأيه عبر الفايسبوك، فاعتبر في حديث لـ«الجمهورية» أنّ «الشعب اللبناني يناضل من أجل ثقافة رائدة بوجه دولة عاجزة، وأنّ هناك تناقضاً بين المجتمع اللبناني وبين لبنان الرسمي».
ورأى أنّ «العمل العظيم الذي جرى في المتحف يؤكّد أنّ الشعب اللبناني يتمتّع بحيوية رغم كلّ شيء، وأنّ لا شعباً في العالم مِقداماً مثله في ظلّ هكذا ظروف سياسية واجتماعية».
مي شدياق
وفي أحد الطوابق التقينا بالاعلامية مي شدياق، وهي تسير مع الناس وتتأمل تفاصيل المتحف، وعندما سألناها لماذا أتَت اليوم ولم تنتظر إلى يوم آخر حيث لا يتواجد عدد كبير من الناس في المتحف؟
أجابت: «أنا ابنة المنطقة وابنة الحي ونشأتُ على درج مار نقولا الذي يصِل الجميزة بحي السراسقة، وكنت بانتظار الافتتاح بفارغ الصبر، فهذا المتحف يجسّد فترات عايَشناها وواكبناها. ولطالما تخوّفتُ من أن يكون مصير هذا القصر كمصير القصور التي قُصفت ودُمّرت خلال الحرب أو تمّ تحويلها إلى مواقف للسيارات».
وتابعت شدياق في حديثها لـ»الجمهورية»: «ما كان ينقص بيروت هو معلم فنّي ثقافي حديث كهذا المتحف، ليعيد لها رونقها وازدهارها، فهذه هي بيروت وعلى الجميع أن يرتقوا إلى مستواها لا أن ينزلوها إلى مستوى أدنى». وعبّرت عن فرحها قائلة: «يكبر قلبك عندما تلاحظ أنّ بيروت تعود لتكون مدينة الشرائع والثقافة».
هذا داخل المتحف، أمّا خارجه فعدد كبير من الناس يستمتعون بعزف حَيّ للموسيقى الكلاسيكية، ويتناقشون بأمور ثقافية ويتشاركون الذكريات عن بيروت.
إفتتاح متحف سرسق أخذ الناس إلى كوكب آخر، كوكب تعلو فيه الأفكار الثقافية لا الأصوات، يجمع طرقاً تعبيرية مختلفة تتميّز الواحدة عن الأخرى بمدى رقيّها لا بمدى قوتها المادية، يجذب السيّاح ويخلق مساحة نظيفة سليمة للطلاب...
(راكيل عتيّق - الجمهورية)